اخر الأخبار

الحزب “الأغلبي”: وهم السلطة وحقيقة الديمقراطية -3-

عبداللطيف وهبي
إن من المعطيات التاريخية المثيرة للاشمئزاز هي أن الأحزاب اليسارية الأكثر إنسانية والتي تملك اهتماما عميقا بتحسين أوضاع الطبقات الدنيا أصبحت في وضعية تعرف فيها إنصافا أقل واعترافا محدودا، أصبحت بعض الأحزاب المحافظة التي خلقت في مرحلة ضعف اليسار وهي اليوم في السلطة تتجه إلى البحث عن الهوية ومدى شرعية قبولها للالتزام بالديمقراطية وإمارة المؤمنين، وهي القوى الدينية التي تملك سلطة التشريع حاليا غير أنها بعيدة عن الشريعة نفسها التي رفعتها كشعار لبرنامجها السياسي وجعلتها جزء رئيسي في ادعاء وجودها.

فيما بعض الأحزاب الأخرى المحسوبة على مرحلة إدارية سابقة ظلت منزوية بقاعة انتظار الاستوزار فهي تتحالف مع كل من وصل إلى السلطة كان يساريا أم يمينيا، لا تهمها الديمقراطية بقدر حبها للسلطة، فزعماؤها الذين صنعتهم الصدفة لا يرغبون مطلقا أن يدعون بالوزراء السابقين، يريدون أن يستمروا وزراء في عهد هذا الملك كما عهد ذاك الملك، ولضمان تموقعهم يقتاتون اليوم من ذلك الصراع بين مكونات العملية السياسية الرئيسيين، بين محافظين حاضرين في السلطة وبين حداثيين وأحزاب تاريخية في المعارضة، معتبرين أن الصراع بين هذه الأطراف هو أحسن مبرر لاستمرارهم في موقع السلطة، فهم على استعداد للتحالف مع المنتصر ضد المنهزم، المهم أن يكونوا في السلطة.

وبغض النظر عن الرأي القائل بأن أي تقارب بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية قد يؤدي إلى إلغاء الأحزاب الأخرى، فإن لدى حزب العدالة والتنمية اعتقاد راسخ بكون وجود حزب الأصالة والمعاصرة هو مشروع إلغاء له، لذا تجده يتكلم داخل المؤسسات بلغة سياسية منفتحة غير أنه يحمل دائما معه عصا غليظة منتظرا حزب الأصالة والمعاصرة في أقرب منعرج للطريق، أو متوجها ضد الجميع بلغة تنم على كثير من الاحتقار، غير أن هذا السلوك لا يثير سوى الاحتقار نفسه.

إن ما يجب أن لا ننسى هو أن كثير من مواقف حزب الأصالة والمعاصرة تتحكم فيها عدة عناصر تهم استقرار الوطن أكثر من ما يهمه وجود حزب محافظ يتلقى منه الضربات ويتحملها بهدوء يتسم بنوع من اللامبالاة، إلا أنه يجب عدم ازدراء ردود فعل هذا الحزب الحداثي ، فالصينيون ربما كانوا على صواب عندما قالوا (حين يكون المصارع في حالة صراع مع خصم ويبدي هذا الأخير أحيانا مرونة لأسباب تقنية على الأول أن لا ينسى حقيقة خصمه)، وقد تكون هذه السنة هي عنوان لحقيقة خصم العدالة والتنمية، هذا الأخير الذي تحول من حركة تبحث عن الشرعية إلى تنظيم حاول أن يصبح حزبا، إلا أن أمينه العام عوض أن يفهم بأن الديمقراطية تقتضي أن يكون هناك حزب بمفهومه المؤسساتي ومفهومه السياسي، قام بتحويل حزبه إلى مجرد قضية، قضية عدم القبول بوجود حزب آخر، قضية إقناع النظام بشرعيته، منطلقا من وهم أنه ليس ككل الأحزاب وأنه غير مقبول من النظام، فيسعى إلى تشتيت الساحة من خلال خلق معارك متعددة، إذ من المفروض أن تقوم السياسة على جمع ما تشتته اللغة بعنفها، غير أن ذلك الحزب ظل يستهدف طول مدة وجوده في السلطة تشتيت المكونات حول السياسة، أو لنقل حول الديمقراطية سعيا منه إلى اغتيالها من خلال اللغة التي يستعملها، متجاهلا أن قبول النظام للديمقراطية كوسيلة لممارسة الحكم لا يمكن أن تتم إلا بوجود الديمقراطيين والأحزاب الديمقراطية، ولكن من هم الديمقراطيون في وطننا؟ إنها صفة تثير كثير من اللبس لدينا.

إن سلوك هذا الحزب يهدد أحسن مرحلة دستورية عرفها المغاربة منذ أربعة عشر قرنا، هذه المرحلة التي كان من المفروض أن يتم السعي فيها إلى تطوير الديمقراطية بقبول الجميع وفتح الحوار مع الجميع ويكون رئيس حكومة الجميع، فنحن في دار الإسلام وليس في دار الحرب لكي نرجم بكل هذه الكلمات والأوصاف القدحية.

إن أوهام رئيس حزب العدالة والتنمية جعلته يرتكب أخطاء كثيرة، تارة يصف النظام بالسجان “وخا تديني الحبس أنا معاك” وتارة يصف علاقته المؤسساتية بالعلاقات العاطفية “يحبنا أو لا يحبنا” كأن السيد رئيس الحكومة المحترم لم يعين رئيسا للحكومة بإرادة ملكية ووفقا للدستور، أو كأنه عين وفقا للدستور لكن دون قبول عاطفي من الملك، في حين أن تصرفات الملك لا يمكنها أن تخرج عن الدستور وليس هناك عنصر العاطفة، ولكن هناك الاحترام الواجب للدستور الذي هو من الثوابت ومن المهام الملكية فما علاقة العاطفة بمهام رئاسة الدولة؟ تم تارة تجده منافسا للملك في تقييم الشعب لتصرفات كل من الملكية والحكومة، حتى هاته يتعامل معها بغيرة ذاتية مثيرة للشفقة.

عن حسن المولوع

مدير النشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“المجلس الأعلى للسلطة القضائية .. المحاماة والمستجدات القضائية” : موضوع ندوة وطنية بمدينة المضيق

الأنباء بوست قال وزير الدولة المكلف ...

الدعوة الى ضرورة التشخيص المبكر لمرض ضعف السمع لدى الأطفال لعلاجه عن طريق زرع قوقعة الأذن أو تركيب جهاز لتقويم السمع

الأنباء بوست دعا رئيس المؤتمر العربي ...

المغرب يشارك في أبيدجان في الاجتماع الرابع للمجالس الاقتصادية والاجتماعية للاتحاد الأوروبي وأفريقيا

الأنباء بوست شارك رئيس المجلس الاقتصادي ...

كأس العرش (2016-2017) .. صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد يترأس بالرباط المباراة النهائية بين فريقي الرجاء البيضاوي والدفاع الحسني الجديدي

الأنباء بوست الرباط –  ترأس صاحب ...

بطولة إفريقيا للاعبين المحليين (المغرب 2018): المغرب في المجموعة الأولى إلى جانب منتخبات غينيا والسودان وموريتانيا

الأنباء بوست أوقعت قرعة نهائيات بطولة ...

اتفاق التبادل الحر مع الميركوسور سيمكن من تعزيز تموقع المغرب كمحور اقتصادي

الانباء بوست أكد سفير المغرب بالبرازيل، ...