المرأة؛ بين القارورة والإنسان

محمد شحرور

قد تبدو الثورة السورية في ظاهرها ثورة ضد الطغيان السياسي فقط، ورغم ما آلت إليه بسبب أمور عدة، لكن أرى أنه من المبكر جداً الحكم على نتائجها، إذ لا تقتصر تلك النتائج على الصعيد السياسي فقط، بل ستتجاوزه إلى شتى الأصعدة، الديني منها والاجتماعي خاصة، فقد أفصحت السنوات الخمس الماضية عن مشاكل جمة كانت مخبأة تحت أغطية مختلفة، ما لبثت أن طفت على السطح مع انفجار البركان، ولا تقتصر هذه المشاكل على مجتمعنا السوري فقط، بل يمكن تعميمها على كافة مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وواكب هذه الثورة ثورة معرفية تمثلت في انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة التوصل إلى المعلومات، واليوم بوسع أي إنسان الحصول على المعلومة التي يريدها خلال دقائق، ولا يتطلب ذلك أن يكون على درجة من الدراسة أو الثقافة.
وبصفتها نصف المجتمع دفعت المرأة السورية ثمناً باهظاً خلال سنوات الثورة، فإن كانت آلة القتل والاعتقال لم تفرق بين ذكر وأنثى، إلا أن فقدان الذكور من أزواج وآباء وأخوة وأبناء، جعل المرأة في مواجهة مسؤوليات كبيرة، ليس أولها إعالة الأبناء والأحفاد، بل تمتد لمعاناة التشرد واللجوء والتعرض لأنواع من الذل والقهر، وصولاً إلى السبي في بعض الأحيان، ناهيك عن الاغتصاب والاستغلال الجنسي، لكن هذا كله جعلها تقف لمراجعة نفسها والبحث عن ذاتها المفقودة.
ويحضرني هنا مقال قرأته تحت عنوان “هل ستعودين إلى سوريا حين تنتهي الحرب؟” حيث جاء جواب معظم النساء اللاتي تم سؤالهن بالرفض، فرغم المعاناة والتعب في بلاد اللجوء إلا أنهن شعرن بقدرتهن على إعالة أنفسهن وأولادهن دون هيمنة رجل مستبد في مجتمع ذكوري بحت، تعاني فيه المرأة من اضطهاد مضاعف، الأول اضطهاد بصفتها مواطنة في دولة الاستبداد، والثاني بصفتها أنثى يضطهدها الذكر المُضطهَد ومجتمعه.
وما يسترعي الانتباه أن الدولة “العلمانية” تشدقت طوال خمسين عاماً بتحريرها للمرأة، ووجود الوزيرات والنائبات فيها، إلا أن قانون الأحوال الشخصية خير دليل على اضطهاد المرأة، عدا عن أن المرأة السورية كغيرها من معظم النساء العربيات لا تمنح جنسيتها لأولادها، وبالتالي هي ليست صنو الرجل بحال من الأحوال.
أما المنظومة الفقهية التراثية فتتغنى بتكريم “الإسلام” للمرأة ومنحها حقوقها، علماً أنها كرست وضع المرأة “القارورة” و”الناقصة عقل ودين” ومن ثم “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، وباعتبار أن أهل جهنم أغلبهم من النساء فالمرأة مخلوق شرير يستحق الاضطهاد أصلاً، كيف لا وهي التي أغوت آدم ليأكل التفاحة ويطرد من الجنة بسببها، إضافة لأسباب عدة تستوجب ذلك، وللأسف في مجتمعاتنا تأتي البنت إلى هذه الدنيا وسط خيبة أمل والدين تمنيا لو كانت ذكراً يحمل اسم العائلة ويرث أموالها ولا يجلب العار لأهله مهما فعل، أما هي “فهمّ البنات للممات”، وتكبر الفتاة وتبدأ معاناتها إذ أنها تحمل شرف العائلة، وعليها بالحد الأدنى أن تلتزم بلباس نساء القرن السابع الميلادي وإلا فالسافرة تنقصها العفة إلى أن يثبت العكس، فإن تزوجت كان خيراً وعليها أن تطيع زوجها مهما فعل بها فالحديث المنسوب للرسول يقول “لو أمرت بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها” ولو رفضت طاعته تلعنها الملائكة، وله الحق بضربها وهجرها وتهديدها بالزواج من أخرى، وإن لم تتزوج باتت تحت طاعة أخ يتحكم بها وبشؤونها، وإن كانت امرأة عاملة ففي الحالتين قد لا تملك الحق في مالها، وإن ارتكبت فاحشة لأخيها أن يقتلها لينال عقوبة مخففة في أفضل الأحوال أو لا يعاقب أبداً، وكل هذا غيض من فيض تساهم في معظمه النساء أنفسهن، بتواطىء ورضا، حيث الثقافة السائدة هي ثقافة ذكورية بحتة.
وقد يكون مفهوماً أن ترتكب كل هذه الأمور في مجتمع ما بوصفها تقاليد وعادات، أما أن تنسب إلى الدين وتصبح جزءاً منه وهو منها براء فهذا إجحاف كبير بحق الإسلام، وإن كنا مقتنعين بأن الرسالة التي أتت لمحمد صلى الله عليه وسلم تتصف بالخاتمية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة 3) والعالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(الأنبياء 107) فيجب إخراجها من أعراف القرن الثاني الهجري، والنظر في حقيقة هذه الرسالة كما أتت، لا كما أراد لها الفقهاء أن تكون.
ولا يحتاج المتتبع للموضوع إلا لقراءة آيات التنزيل الحكيم، ليجد وضعاً مختلفاً للأنثى فيه، فقصة الخلق القرآنية لا تحمل المرأة أي ذنب، والمخاطب فيها آدم وزوجه، علماً أن آدم هنا اسم جنس لمجموعة بشرية وزوجه هو مجموعة بشرية أخرى وجدت معه، أما أن المرأة خلقت من ضلع آدم فهذا لا أساس له مطلقاً، وإلا لبقي الرجل المزواج دون أضلاع، ثم نأتي إلى ولادة الأنثى، حيث يشجب الله تعالى ما تعارف عليه المجتمع من نبذها {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (النحل 58 – 59)، ونقرأ قوله أيضاً {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت} (التكوير 8-9)، وهو القائل سبحانه عن مريم بنت عمران {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} (آل عمران 36) علماً أن المفضل يلي الأقل تفضيلاً، أي أن الأنثى هنا هي الأفضل، ثم ينطلق الخطاب في التنزيل ليساوي بين الجنسين فيخاطبهما سوية {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب 35)، وكما الأجر العظيم واحد فإن العقوبات واحدة، عقوبة السارق كعقوبة السارقة، وعقوبة الزانية كعقوبة الزاني، حيث المقياس هو التقوى ليس إلا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات 13).
وفي الزواج يقدم الزوج لزوجته ميثاقاً غليظاً {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}(النساء 21)، يقوم على المودة والرحمة والسكينة {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم 21) في علاقة سامية {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}(البقرة 187)، وإن وصل الزوجان لتعذر العيش بأي حال من الأحوال أعطاهما الحل {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} (البقرة 229) فلا طلاق دون علم المرأة أو بكلمة ولا بيت طاعة أو غيره مما تمخض عن الفقه الذكوري.
وفي القوامة يمكن للمرأة أن تكون القيمة على البيت، لكن أبى معشر الذكور إلا قراءة الآية مجتزأة {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} (النساء 34) فلم يقرأوا {بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، ولم ينتبهوا إلى أن “الرجال” تعني الأكثر كفاءة ذكور وإناث، و”النساء” هم المتأخرات ذكور وإناث، وفهموا الضرب على أنه ضرب جسدي غير مبرح، ولم يرق لهم أن “ضرب” استخدمها التنزيل الحكيم بمعاني أخرى، منها الضرب في سبيل الله {إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} وهناك الضرب في اﻷرض {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}، والضرب باﻷرجل ويعني العمل، وهناك ضرب في اﻷمثال، وأي معنى فيزيائي للضرب ذكره التنزيل الحكيم بمعناه المباشر مثال (هش، وكز، صك، تل) وعندما استعمل ضرب، استعمل اﻷداة {أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ}، وعندما نقول “ضربت الدولة بيد من حديد ” فنعني بذلك اتخذت موقفاً صارماً، وتنشز المرأة حين تكون القوامة بيدها فتستبد بالأسرة، وينشز الرجل حين تكون القوامة بيده فيمارس ديكتاتوريته المطلقة على المرأة وهو ما يخيفها {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء 128)، وللأسف هذا ما تعانيه المرأة في بلادنا، فهي تابعة للرجل اقتصادياً ولا تملك من أمرها شيئاً، وهو السيد المستبد، لذا وجدت نفسها في بلاد اللجوء قادرة على العمل والقوامة، لا تنقصها الكفاءة، والمجال مفتوح أمامها لتحقيق هذه الكفاءة في حال عدم وجودها، وبالتالي تستطيع التخلص من سلطة الرجل وإعالة أولاده.
وإن كنت هنا لا أدعو النساء للتمرد على أزواجهن، لكن أدعوهن لمعرفة حقوقهن في الإسلام، وأذكرهن أن السيدة خديجة كانت القوامة بيدها لأنها تملك المال، والنبي (ص) كان متفرغاً لشؤون الرسالة، فلا هي استبدت وبقي هو مخلصاً لها ولم يتزوج من أخرى في حياتها، وليعلمن أن أغلب الأحاديث التي تحط من شأن المرأة وتقيدها لا أساس لها من الصحة، وما صح منها فهو يخص مجتمع القرن السادس الميلادي في شبه جزيرة العرب، وحتى لو وصلنا عن الرسول الأعظم صوت وصورة فهو ينطبق عليه قاعدة “تتغير الأحكام بتغير الأزمان”، فلا تسمحن لأحد النيل من حقوقكن باسم الله، وليتخذ ذريعة أخرى يسميها ما يشاء.
أيضاً أضع على عاتقهن تربية الأبناء تربية سليمة، فلا تفضيل للذكر على الأنثى في المنزل، ولا سلطة للأخ على الأخت، وتعليم البنت يساوي في الأهمية تعليم الابن إن لم يفقه ضرورة، ولا للزواج المبكر، فابدأن بأنفسكن وبيوتكن، وتذكرن أن أكثر من يضطهد الأنثى أنثى مثلها.
وإن كانت بعض المناهج الدراسية قد أدخلت تعليم حقوق الإنسان في برامجها، فإنني أثني على هذه الخطوة وأتمنى لو تدرس أيضاً حقوق المرأة في الإسلام، لا إسلام البخاري ومسلم، بل إسلام التنزيل الحكيم كما جاء به محمد بن عبد الله.

عن حسن المولوع

مدير النشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

البرنامج التنموي “الحسيمة .. منارة المتوسط” يتقدم وفقا للآجال المحددة

الأنباء بوست أكد فريد شوراق، عامل ...

مجلس النواب يصادق في قراءة ثانية على مشروع قانون المالية 2018

الأنباء بوست وكالات صادق مجلس النواب،مساء ...

مشوار الفنان مصطفى الصغير : بداية صعبة وآفاق واعدة

الأنباء بوست مولاي العربي برز نجم ...

المشاركة المتميزة لجلالة الملك في قمة باريس تترجم الالتزام الوطني والرؤية الإفريقية لجلالته لمكافحة التغير المناخي

الأنباء بوست باريس- أكد وزير الشؤون ...

بيوكرى…. المهرجان الوطني للمسرح

الأنباء بوست مرتبط

أكادير ….مهرجان ايزوران كناوة في دورته الرابعة

الأنباء بوست مرتبط