اخر الأخبار

دقات الجرس

يوسف الطويل

اجتاز الأستاذ محمود بركات بوابة الثانوية بحيوية ونشاط ، متجها صوب الإدارة كي يحمل معه لائحة القسم الذي سيراقبه طيلة ثلاث ساعات المقبلة مرددا “الله يدوز هاد النهار على خير” طوال السنوات التي قضاها في التعليم كانت كلها متشابهة ولا تعني له شيئا ، إلا ان هذه السنة بدت له كنهاية خط زمني تمدد بما فيه الكفاية ، ربما تنبهه حاسته السادسة بشيئ او ربماهو الشعور بالتقاعد الذي أوشك عليه ، وكم هي صعبة هذه الكلمة وكل ما تحمله من معنى ، كمن يبتعد الوليد عن ثدي أمه كلما رغب في لعقها.
دق الجرس طويلا بعدما حل كل من المترشحين لإجتياز باكالوريا حرة والموظفون مكانهم وانطلق الإمتحان بسلام كما يطمح الجميع في ذلك.
ظهرت أستاذة غريبة الأطوار منكودة الطلة ، طويلة القامة بنظرة رجولية يتهيأ للمترشحين أنه مكتوب على جبينها “الله يقربلها ” ألقت التحية ووضعت حقيبتها ثم جلست في حنو تبحلق في كل زوايا قاعة الإختبار غير عابئة بزميلها الأستاذ محمود ، فشعر هو كأنها تهمس له بصوتها الجشع “أنت كبرتي وما بقيتيش صالح للحراسة ومستوى ديالي ماشي قد ديالك”.
مرت نصف ساعة بصمت ثقيل ، الكل ينتظر المبادرة من عند احدهم او الفرصة كي يكشف على اوراقه البيضاء المطبوع عليها دروس مصغرة ، دخل المدير وبرفقته العون والمعيد يلقي خطابا ظنا منه انه يبلي حسنا ففي الحقيقة يشتت تركيز الكل وحتى من يرافقونه قد كلوا وملوا من سماع كلمات متكررة والتي لا تسمن ولا تغني من جوع.
نهضت الأستاذة حياة من على فوق كرسي ارتفعت حرارته من شدة احتكاك مؤخرتها به ، أطلقت صرخة صيحة صاخبة إلى اقسى يمين القاعة لمنع محاولة غش باءت بالفشل فعادت تحسب أدراجها ، تعبر عن إنجازها ، تعزف بكعبها العالي بين صفوف وطاولات بصوت “تيك تاك ، تيك تاك” تستغل سلطتها وتبجل وظيفتها وكيف حصلت عليها بعد جد واجتهاد وتعب وعناء ، دون غش ودون كسل.
تنفض مترشح يقبع في آخر مقعد يحتج ويطالب بما ليس من حقه “أستاذة فعوض تحكي لينا قصة حياتك ، ديري معانا زوين وصوفينا الله إحفظك” قاطعه محمود يأمره بالتزام الصمت واتباع ما يفرض عليه بهدوء وسكينة وهو يلمح له بإشارات يقصد بها “أودي غير نقل وسكتنا شكون داها فيك”.

تنهد في حبور كأنه يتحرر من شرنقة الإمتحان وراح يحفظ الجمل عن ظهر قلب ويدونها على ورقة التحرير دون أن يكثرت أو يعبأ بما حوله.
هدوء دافئ يتسلل إلى كل جنبات المؤسسة ، هناك من يدخن لمد مدة انتظار دق الجرس وهناك من يأذي عمله على أكمل وجه ، والمديرغائص في هاتفه يجري مكالمات متتالية ليلاهي نفسه عن أشغال تعود عليه بأوجاع الرأس ، أما عاملات النظافة فهن يهيأن وجبة الفطور تتضمن أرغفة وحلويات وإبريقين من الشاي ، لينلن رضى الموظفون لعلهن يحصلن على إكرمياتهم الصخية.
بين الفينة والفينة تجمع كل من اهل الأوس والخزرج ، الطاقم الإداري والتربوي ، أعوان وتقنيين على مائدة مستطيلة يعوضون ما ضاع لهم من طاقة في عمل بدى ثقيل عليهم ، يملؤون الأفواه ليشبعوا البطون ثم يفكرون في ما يوجد أسفلها ، خلقوا ليفترسوا ما تيسر لهم لإشباع شهواتهم المتنوعة.
مضت الإستراحة بنفس الوتيرة هذا يغازل تلك وذاك يناقش زملائه والآخر لم ينتهي من الأكل بعد ، أما المترشحون والمترشحات ضاق بهم الحال ليزداد القمر كسوفا على طلة محياهم خوفا وهلع على القادم أن يكون أسوء مما مضى ، إستراحتهم كلها في تعديل الأوراق المصغرة وقليل من المراجعة ، نسوا تماما أمر العلاقات الغرامية وأخذ أرقامهم الهاتفية بعضهم بعضا وانغمسوا في واجباتهم تحت وطأة متمنيات زائفة.

الساعة تشير إلى السابعة صباحا ، فتح حميد باب المؤسسة بعدما هندم لباسه وسرح شعره ليبدو أنيقا أمام التلميذات وأمهاتهن سعيا في طلب وجبة الفطور كمكافأة من عند أحد الأباء مقابل غرض ما.
ظهر مصطفى شارد الذهن ينفث دخانا كثيفا دفعة واحدة ، رجل يقارب الخمسين يشغل منصب معيد الحراسة العامة منذ أن ترقى من حارس الباب إلى تقني في المكتبة ليبدأ عمله الزائد في المفاوضات مع أولياء التلاميذ “سي مصطفى هاني جبت ليك معايا الحلاوة ديالك المهم غير رد البال للبنت راه عندها نقص فشي مواد ، راني معول عليك وعلى الله” ربت مصطفى على كتفه يطمأنه على أنه سيكون كل شيء على ما يرام وراح يبحث عن ضحية أخرى طمعا في الحصول على مال أكثر مقابل مساعدة أبناءهم على محاولة غش مستغلا منصبها وزملاءه في العمل.
ترجلت الأستاذة سعاد من سيارتها المتواضعة تاركة إيها خارجا ، واقتحمت بوابة الإدارة بزفير طويل كمن كانت محبوسة وسط زحمة خانقة ، أخذت تعبث في لائحات الأقسام تختار أحسنهم والأنسب إليها على أمل أن يأتي من يخفف عليها الحراسة ، لتبحر في رسائلها الفيسبوكية لعلها تصطاد رجلا يطفأ جمرة وحدتها ، لتتأبطه وتتملكه كي لا يضيع منها مثلما حصل مع طليقها وبعض الرجال.
الأستاذات المبجلات والمفجلات معظمهن طليقات والبعض عازبات والقليل منهن لاتزال حاظنة على أطفالها وأبوهم ، من عاشر أستاذة واحدة بات يكره الكل على تصرفاتهن التي مالبت أن تنتهي من الطلبات والسيطرة ، تكون ملكة بين تلامذتها تحرك من تشتهي وتتحكم في الكل فتعتقد أنها ستفعل الشيء عينه مع زوجها أو عشيقها فيلذ هو بالفرار من جحيم جنتها تاركا لها كل ما يجمع بينهم.

خالد شاب وسيم ذو بشرة برونزية ولحية مهذبة وقد تعدى العشرون بست سنوات كاملة ، استاذ السلك الأول لمادة الإعلاميات ، جديد في ميدان التعليم وله أول تجربة لمراقبة الإختبار ليجمعه القدر برفقة سعاد في مهمة واحدة ، قليل الكلام لافظ فوه يطبق مقولة “خير الكلام ما قل وذل” كانت هذه اول ميزة تجذب سعاد في خالد وتجعلها تتخلص من هاتفها للمرة الأولى لتكشف عن خبرتها أمامه وتتباهى بشخصيتها القوية معتقدة ان ذلك كل ما يريده الرجال ، ففي  الحقيقة يريدون امرأة متفجرة بالأنوثة لا صاحبة الشارب والجسد النحيل ، أخذت تترنح كالعمود تبحث عن فرصة لتقرب منه والتعرف على بعضهم البعض رغم أنه يصغرها سنا ولقاء في أجل أقرب مما ينبغي رغم أنه لا يعرها اهتماما ولا يفكر فيها مجرد التفكير.
دق الجرس الأول لليوم الثاني من ايام الإمتحان لتبدأ أوراق التحرير تتطاير على متن كل طاولة مطبوع عليها خاتم المؤسسة وملاحظة تنبه التلميذ(ة) بأن لا يكتب شيء داخل الإطار.
فتحت عقدة الصدر ليظهر مفرق نهديها وأضافت رشتين من عطر نفاذ أرادت أن تأخذ غريزة خالد لأفاق بعيدة فلم تفلح ، نست ما أتت لتأذيته وانشغلت في مداعبته ومغازلته بشكل غير مباشر ، لتفتح المجال للمترشحين بأن يأخذوا الراحة التامة في ما يطمحون له دون تكبد العناء أو طلب المساعدة.

ظل الحال كما عليه في جميع المؤسسات ولا شيء غريب يثقب الواقع ، وجوه شاحبة لم ترى النوم أعينهم وقاتلوا من أجل تحقيق هدف يطمحون له.
جلس المدير يكتب مراسلة للسيد النائب الإقليمي للموارد البشرية يبلغه أنه سهر وطاقمه االإداري والتربوي والتقني أيضا على أن الإختبار مر ويمر على أكمل وجه وأن كل شيء عادي لا جديد تحت الشمس.
ظهرت البهجة على طلة محيا كل مترشح بعدما تحرروا من شرنقة الإمتحان وراحوا يفرغون ما كان في داخلهم ساكنا منذ زمن.

عن حسن المولوع

مدير النشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“المجلس الأعلى للسلطة القضائية .. المحاماة والمستجدات القضائية” : موضوع ندوة وطنية بمدينة المضيق

الأنباء بوست قال وزير الدولة المكلف ...

الدعوة الى ضرورة التشخيص المبكر لمرض ضعف السمع لدى الأطفال لعلاجه عن طريق زرع قوقعة الأذن أو تركيب جهاز لتقويم السمع

الأنباء بوست دعا رئيس المؤتمر العربي ...

المغرب يشارك في أبيدجان في الاجتماع الرابع للمجالس الاقتصادية والاجتماعية للاتحاد الأوروبي وأفريقيا

الأنباء بوست شارك رئيس المجلس الاقتصادي ...

كأس العرش (2016-2017) .. صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد يترأس بالرباط المباراة النهائية بين فريقي الرجاء البيضاوي والدفاع الحسني الجديدي

الأنباء بوست الرباط –  ترأس صاحب ...

بطولة إفريقيا للاعبين المحليين (المغرب 2018): المغرب في المجموعة الأولى إلى جانب منتخبات غينيا والسودان وموريتانيا

الأنباء بوست أوقعت قرعة نهائيات بطولة ...

اتفاق التبادل الحر مع الميركوسور سيمكن من تعزيز تموقع المغرب كمحور اقتصادي

الانباء بوست أكد سفير المغرب بالبرازيل، ...