مريدو الشيخ ماركس في زمن اللبرالية

كمال خزان 

في الوقت الذي أثبت فيه الطرح الماركسي فشله مع سقوط الاتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينات القرن الماضي، و في الوقت الذي تعرف الدول اللبرالية الرأسمالية، غير العربية، تقدما منقطع النظير، نجد في المغرب كما في الدول العربية من يتشبث بأهذاب “الشيخ” ماركس و نبوؤاته الثورية.

و تتدلى أهداب هذا الشيخ لتنقسم إلى قسمين، القسم اليساري المحض المتمثل في بعض التكتلات الحزبية الاشتراكية المهمشة سياسيا و أيضا بعض الأحزاب الكبرى و الطامعة في السلطة. هذا القسم، و إن لم نكن نشاطره الرأي، فإننا نتفهم موقفه الماركسي و ذلك بالنظر فقط إلى بعض الكتب المغبرة و الممتلئة بأعشاش العنكبوت و التي ينهل منها أنصار الطرح الماركسي و الكاركسي اللينيني و الماوي و غيرها من الطروحات اليسارية التي تخلت عنها حتى الدول التي أنتجتها كروسيا و الصين الشعبية.

القسم الثاني، و هو الذي نضعه في خانة الشيزوفرينيا السياسية، و هو الشق الإسلامي المتمثل في جماعة العدل و الإحسان و بعض التيارات السلفية التي لم تؤمن بعد بروح المراجعات الفكرية. فالحركتين الإسلاميتين نجدها تنهل من معين” الشيخ” ماركس و تنادي بالهدم البناء باحثة عن الشرارة التي يمكنها أن توقد فتيل الثورة.

لفهم سياق الكلام في مقالي هذا سأعود بالقارئ إلى سنة 2011 و بالضبط إلى الربيع العربي أو كما أعتبره شخصيا “الخريف العربي” و الذي تمثل في المغرب بحركة “20 فبراير. و نعتذر للقارئ على هذه القهقرة التاريخية، إلا أننا نرى أنه من اللازم أن نعيد قراءة هذه الحقبة بشكل آخر.

نجد ان قسمي المريدين وقفا جنبا إلى جنب في 20 فبراير و من ثم في 20 مارس 2011 منادين بالإصلاحات أو الثورة.

نطرح هنا مجموعة من التساؤلات أولها عن مدى نجاعة الثورة ؟ و نستلهم من المثالين التونسي و المصري دون الحديث عن الفوضى الليبية التي تتحدث عن نفسها.

في رصد لنتائج “الثورتين” نقرأ ما يلي :

في مصر، التي كانت محكومة من طرف الجيش نجد الشعب المصري يخرج ليصوت على دستور سنه الجيش مرة أخرى لنجد أنفسنا أمام إعدة إنتاج لنفس النخب بوجوه جديدة.

في تونس، البلد الذي كان متقدما اقتصاديا مقارنة بجيرانه، و الذي طالما شكل حجر عثرة بالنسبة للاقتصاد المغربي في جلب استثمارات بعض الدول الأوروبية كألمانيا، نجده الآن يتخبط في مجموعة من إرهاصات التفرقة و التكالب السياسوي على السلطة.

بكلامنا هذا نحن لا نزكي لا حكم مبارك ولا حكم بنعلي، لكننا نضع النقط على الحروف لمعرفة مدى نجاح الثورتي “الفل” و “الياسمين” في الوصول إلى الأهداف المسطرة.

و لكي نستفيد من الجدلية التاريخية على رأي “الشيخ هيجل” صديق “الشيخ ماركس”، سنرجع إلى الثورة الفرنسية التي كان المناضلون يضربون بها المثال في “ثورتي” مصر و تونس. هذا التاريخ سيخبرنا عن بداية الثورة الفرنسية التي ابتدأت بثوره فكرية منذ عصر الأنوار و انتهت بنزول المثقف إلى جوار شريكه في المواطنة الغير مثقف (كي لا نقول الجاهل فنفهم غلطا) و ذلك من أجل تثقيفه و تنويره في المقاهي و الحانات و الشوارع، إلى أن قامت الثورة الفرنسية عى يد شعب مثقف راكم ثقافته على مدى أكثر من قرنين.

في مصر و تونس و ليبيا نجد أن الثورات بنيت على انتفاضة فيسبوكية موقدة فتيل في قنبلة اجتماعية على الشاكلة الماركسية. تلك الثلة التي لا نقلل من ثقافتها “المعلوماتية” لا تزال تعيش، في نظرنا، مرحلة مراهقة سياسية و ثقافية، لا ترقى بها إلى طرح حلول تطبيقية للمشاكل و المعضلات الاجتماعية التي أجمع العديد من العلماء على صعوبة حلها بأساليب ترقيعية، فالإصلاح في نظرنا يجب أن ينبني على طروحات استراتيجية قابلة للترقيم و التطبيق بغض النظر على الإيديولويجية المنتجة لها.

ثاني الأسئلة التي يمكن أن نطرحها هو عن الخصوصية المغربية التي سبق و تكلمنا عنها. هذه الخصوصية التي تجعلنا في حاجة إلى عصر أنوار بنفحة مغربية يشعل فتيل الإصلاح. و من مميزات هذه الخصوصية المغربية أن عصر أنوارنا يمكن أن ينتقل ويسافر عبر الزمن بسرعة البريد الإلكتروني، يمكن أن ينتقل من المثقف العضوي، على الشاكلة الغرامشية، إلى أخيه غير المثقف. هذه الإمكانية نابعة من إمكانية التعايش في المجتمع المغربي و التعددية الثقافية، التي يقول البعض أنها من معيقات الإصلاح. هذه التعددية الإثنية و الثقافية و الدينية في نظرنا ضامن للمناخ الجيد للإصلاح الذي نطمح له.

المغرب عبر التاريخ أسس لدولة التعايش عبر الآلة القمعية التي كانت تجعل الشعب حذائها على حد سواء، عربا و أمازيغ و بدوا و حضر. تحت هذا الحذاء تأسست مخلوقات بكتيرية تسمى الفبرايريون التي قدمت خدمات جليلة لمخلوقات حذائية أخرى تسمى الأحزاب السياسية التي يمكن أن توضع كلها و بدون استثناء في خانة المخزنية.

الخصوصية الأخرى هي الملكية، التي منذ بداية العهد الجديد، عهد محمد السادس، أسست لمجموعة من المفاهيم التي انقلبت على مفاهيم العهد القديم. فالملك أو الملكية بالنسبة لمجموعة من المثقفين تمثل مصدر توازن القوى على الأصعدة الساسية و الاجتماعية و الاقتصادية، وصورة الملك، كمعدل لدرجة الحرارة على الأصعدة السالفة الذكر، لم تزد إلا ترسخا في في المخيال الشعبي و المثقف. بالنسبة للمثقفين هذه الصورة تعززت بعد خطاب مارس 2011 الذي عبر على إرادة للمؤسسة الملكية لإعطاء الطبقة المثقفة الفرصة لإحداث تغيير دستوري أو المشاركة فيه على الأقل. هذه الطبقة التي أخلفت الموعد مع التاريخ والتي تركت المكان للكائنات الحذائية، التي تختبئ وراء الإرادة الملكية لدفع تطبيقاتها نحو ما يخدم مصالحها السياسية و الاقتصادية. هذه الكائنات وقفت بين إرادة المؤسسة الملكية و إرادة الشباب هذه الإرادة المعلنة صراحة في خطاب 09 مارس 2011، و الذي كان بمثابة استجابة لصرخات الشارع.

بعد دستور 2011 تم تغيير الحذاء ببلغة مغربية جاءت لتغرف من معين 20 فبراير كي تملأ الأحزاب بمخلوقات ثالثة على شكل بطائق انتخاب أو أرقام انتخاب فيما يلي. لتركب بذلك على آلام الشعب المغربي مساعدة ذوي الطروحات التبشيرية بالثورة إلى تصعيد النقاش.

فمن المستفيد من كل هذا ؟ هناك أطراف عدة، الملك أو الملكية، المؤسسة الحذائية أو البلغوية، الفبرايريون، المثقفون العضويون أو البطائق الانتخابية ؟

في نظرنا، الملك أو المؤسسة الملكية ليست في حاجة إلى كل هذا لتثبت شرعيتها. فالشرعية تنتطلق من قناعتنا بضرورة المحافظة على الرمزية التاريخية للخصوصية و الهوية المغربية، التي لا يمكن أن تؤسس لعصر أنوار مغربي بمنأى عن الملكية كضامن للوحدة الوطنية و كسد منيع أمام الآلة القمعية التي تبحث عن إعادة صناعة النخب جيلا بعد جيل.

الفبرايريون أو الأوراق الانتخابية هم الفتيل المشعل الذي ينير الطريق أمام المؤسسة الحذائية أو البلغوية. هذه الأخيرة التي تتمثل في مجموعة من رموز الفساد الحزبية و غير الحزبية التي تعيش على أعتاب القدسية الملكية و تحتمي بها.

ويبقى الصنف الأخير و هو ما بدأنا به نقاشنا، أي مريدي الشيخ ماركس، هؤلاء المخلوقات التاريخية التي اخترعت كبسولة زمن من نوع خاص و التي تقف بين الشعب المغربي و الحركة التنويرية المثقفة.

فبوقوفها هذا و بنزعتها الثورية و العنفية، تؤدي من حيث تعلم أو لا تعلم (ندري) خدمة كبيرة للجهاز القمعي (الحذائي و البلغوي و غيره) الذي يحافظ على مصالحه الاقتصادية و يرهب المؤسسات الشعبية و الملكية و الاقتصادية من الحركة الإصلاحية.

التساؤل الثالث، هو ماذا يمكن أن نقترح لدعم بناء عصر أنوار المغرب الذي لا نريده أن يؤدي إلى الثورة بل إلى الإصلاح و المصالحة الاجتماعية. جوابنا يمكن أن يختصر في البحث عن خلق الدولة المدنية “دولة الإنسان”.

هذا البناء هو الذي سنخصص له مقالاتنا المقبلةلنضع بين أيديكم بعض مقومات عصر الأنوار المغربي و أسس البناء من أجل فتح النقاش لا إغلاقه بمشاريع جاهزة.

 

عن hassan

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحقيقة الكاملة حول استخراج جثة من مقبرة الغفران لاستعمالها في أغراض الشعوذة والدجل

الأنباء بوست أثار خبر نشرته أحد ...

تطورات جديدة في ملف مقتل النائب البرلماني عبد اللطيف مرداس

الأنباء بوست : و.م.ع أعلن المكتب ...

مع اقتراب الزيارة الملكية معطلون بالعيون يهددون بإحراق أنفسهم داخل حافلة

الأنباء بوست علمت الأنباء بوست  أن ...

الملك محمد السادس يجري مباحثات على انفراد مع عاهل المملكة الأردنية الهاشمية

الأنباء بوست : و.م.ع أجرى الملك ...

أخنوش يقاضي الجامعي وموقع بديل

الأنباء بوست نقلا عن موقع بديل ...

عاجل: 4 قتلى و20 جريحا بهجوم إرهابي أمام البرلمان البريطاني

الأنباء بوست أعلنت شرطة مكافحة الإرهاب ...