untitled

وثـيــقــة المدينة كمرجع للتأســيــس

كمـــال الخــــزان

كما وعدنا في المقال السابق سنقوم في مقالاتنا المقبلة بوضع بعض أسس النقاش من أجل التأسيس لعصر الأنوار المغربي أو بنفحة مغربية. سنقوم في هذا المقال أيضا بالرجوع إلى التاريخ وذلك لفهم سياق التكوين الفكري للمغربي المسلم أساسا، بما أن الأغلبية الساحقة بالمغرب مسلمة الديانة دستوريا.

سنعود في هذا المقال إلى أول لبنة لبناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، و من أجل هذا سنقوم بتحليل بسيط على قدر فهمنا لما سمي تاريخيا ب”وثيقة المدينة”. (المرجع لمن رغب في قراءة النص الأصلي للوثيقة : http://shabwaahpress.net/pdf/18699/).

تعتبر الوثيقة من أقدم الأسس التي بنت القانون الدستوري منذ سنة 622 م، وهي بذلك تعتبر من اللبنات الأولى التي بني عليها المجتمع الإسلامي على عهد الرسول. بعد القراءة المتأنية للوثيقة نستفيد معنيين اثنين سنقوم بتحليلهما على ضوء الواقع الحالي.

المعنى الأول : حرية المعتقد

نص الوثيقة يتحدث في معظمه على المعنى المواطنة بغض النظر عن الانتماء الديني (مسلمين و يهود و مشركين) أو العرقي (القبائل و العشائر). فالمواطن الحق هو من يحفظ أخاه المواطن بدون تحيز أو ظلم. فالتأسيس الأول للدولة الإسلامية احتاج لتشاور بين جميع مكوناتها من أجل التـأسيس لعقد اجتماعي و مجتمعي يمثل الكل على حد سواء دون التحيز للجهة الغالبة التي كانت هي المسلمين. وهذه الغلبة تظهر جلية في ترأس الرسول لهذا المجتمع ذو الغالبية المسلمة كما هو الحال بالنسبة لإمارة المؤمنين بالمغرب.

العقد المجتمعي ركز على حرية الاعتقاد كوسيلة لضمان حرية الفرد الفكرية دون إهمال لأهمية كل فرد داخل المجتمع فالوثيقة تتحدث عن المؤمنين و عن العشيرة و في غالب الأحيان تحدث عن الفرد كمكون أساسي لهذا المجتمع. فعندما نتحدث عن الفرد فنحن ننتقل من دولة المجتمع إلى دولة الإنسان التي تعد خلاصة التجارب السياسية للإنسانية.

المستفاد الأول من هذا، في نظرنا أن الرسول أسس لمجتمع علماني لا يتدخل فيه الدين في أمور السياسة، فالعمليات التوسعية للدولة بنيت في أساسها على الفتوحات الإسلامية التي كانت في طبيعتها جهاد في سبيل الله دون فرض لدينه على الأفراد بقدر ما هو فرض لحكمته في أرضه. فبالرجوع إلى وصايا الرسول للمؤمنين في الجهاد نجده يدعو إلى عدم فرض الدين بالسلاح بقدر ما هو نصح ودعوة بالموعظة الحسنة. مما يفيد أن مفهوم العلمانية كمعطى سياسي لا يتنافى و تأسيس دولة غالبيتها مسلمة، بل على العكس هو ضامن لحرية الأفراد في الاختيار الديني (من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر)، الأهم في تأسيس الدولة هو احترام العقد أو الميثاق المجتمعي الذي يربط بين الأفراد داخل المجتمع وفي حدود الدولة.

بالرجوع إلى مفهوم علمنة الدولة نجد بعض التحريفات التي دخلت على الموروث السياسي العالمي وذلك لتقويض فهم بعض الناس لهذا المفهوم. فالبعض يربطه بالكفر و الإلحاد مما يؤثر سلبا على عامة المجتمع  المسلم فطريا و وراثيا و يضع هذا المفهوم في خانة الرهاب الديني والاقتراب منه ضرب من المجون والجنون والخروج عن الملة. و لن نطرح في هذا المقال أسئلة عن الأسباب التي تجعل بعض العلماء يرفضون هذا المفهوم لأننا سنخصص مقالا خاصا عنه و عن تجربة الدولة أو الدول الإسلامية في هذا المجال.

المعنى الثاني : المساواة في المواطنة

المساواة في المواطنة من أهم مؤسسات الدولة الإسلامية الأولى، وهذه المساواة تظهر في صياغة الوثيقة بحيث احترمت ذكر جميع العشائر باسمها لا بانتماءاتها الدينية (بما أن كل عشيرة كانت تضم في طياتها أكثر من انتماء ديني). هذه الصياغة تجعل من سكان المدينة و ما حولها سواسية أمام القانون الذي صاغوه و المتغير بتغير الأحداث و المعطيات الاجتماعية.

ومن أعظم دلائل المساواة نجد أن الوثيقة تساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات و خاصة المالية منها. فمداخيل الغزوات من أموال وأسرى توزع بين الجميع بغض النظر عن انتمائهم الديني، فإن كان المؤمن يجاهد في سبيل الله فغير المؤمن يقاتل في سبيل العشيرة أو الأمة بحسب صياغة الوثيقة. و إن كان التوزيع العادل في الثروة لا يفرق بين مسلم وغيره أو عرق وغيره فهو تعبير أسمى على المساواة في المواطنة.

لكن الكفة لن تعدل إلا بالحديث عن الواجبات المالية للأفراد تجاه المجتمع، فتتحدث الوثيقة عن المشاركة في نفقات الجهاد كمورد أساسي لتمويل الدولة وكذا عن المساهمة في التكافل الاجتماعي (وأنّ المؤمنين لا يتركون مُفرَحا [ مثقل بالدين ] بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء [ من أسر] أو عقل أي دية) و يستدرك النص فيما بعد ليشمل هذا غير المؤمنين أيضا (وأنّ يهود الأوس و مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البِرّ المحض مِن أهل هذه الصحيفة، وأنّ البِرّ دون الإثم لا يَكسِب كاسب إلا على نفسه) والوثيقة تساوي في هذا بين يهود الأوس و يهود غيرهم من العشائر.

و الأمثلة كثيرة في الوثيقة التي تدل على أن تأسيس أي دولة عادلة يستوجب الحفاظ على المساواة في الحقوق والواجبات.

إنا بأخذنا فقط لهذين المعنيين من الوثيقة لا نقلل من أهمية المعاني الأخرى التي تبطنها في طياتها، إلا أننا ندعوكم لقراءتها و التمعن في كلماتها لفهم العبقرية المحمدية في تأسيس الدولة والتي تستوجب منا التوقف لاستنباط مفهوم الدولة في الموروث الثقافي الإسلامي.

لن يفوتنا في هذا المقال العودة بعض الشيء للحاضر من أجل فهم بعض الظواهر التي قامت على الفهم الخاطئ للنصوص الشرعية. فتأسيس الدولة على مفهوم ديني كانت وما تزال مبتغى مجموعة من المتعصبين لدينهم. فإسرائيل دولة بنيت على التعصب الديني كما داعش أو أي دولة دينية ترى أنها هي فقط من على صواب وأن غيرها لا يرقى إلى فهم الدين أو الإرادة الإلهية في الأرض. فما وقع في المغرب في 16 ماي 2003 من عمليات إرهابية ينبئنا عن القصور في الفهم الديني و ما يقع الآن في السجون وخارجها من مراجعات فكرية يدل على أن بعض شيوخ السلفية الجهادية فهموا بعض الشيء المعنى الحقيقي للمجتمع الإنساني. ما ينقصنا الآن هو تعزيز النقاش داخل المجتمع لنفض الغبار عن بعض المفاهيم التي فهمت غلطا لعقود. لكننا نحتاج أيضا أن نضع جانبا الإيديولوجيات الفكرية التي تعتبر دينا من نوع آخر، وكذا الأحكام المسبقة من أجل قبول الاختلاف و تقبل الآخر المجهول.

عن hassan

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

07a495

الجزائر: تعديل حكومي وشيك على خلفية «فضيحة» منتدى الاستثمار الافريقي

الأنباء بوست قالت مصادر مطلعة إن ...

ambassade_2

سفارة المغرب باسبانيا توضح أسباب اضرام مغربي النار بنفسه أمام مقرها

الأنباء بوست : و.م.ع تتتبع سفارة ...

accident_6

فاس.. إلقاء القبض على شخص اشتبه في تعمده دهس شرطي بسيارته قبل أن يلوذ بالفرار

الأنباء بوست :و.م.ع أفادت ولاية أمس ...

africa_summet

جلالة الملك جعل من إفريقيا عمقا استراتيجيا واقتصاديا ودبلوماسيا للمغرب

الأنباء بوست : و.م.ع كتبت (راديو ...

120

لبنى أبيضار تبكي: أرجوكم أنا ممثلة ولست عاهرة

الأنباء بوست فازت الممثلة المغربية لبنى ...

414

حقيقة اعتراف سعد لمجرد في التحقيق معه بـ”المثلية الجنسية”

الأنباء بوست بعد الأخبار التي انتشرت ...