بابا في سابع نومة

منار رامودة

يبدو أن ما سأتحدث عنه قد بات مألوفا لدى العديد من الناس، بل لربما أصبح الأمر طبيعيا جدا عندما يتعلق الأمر بموضوع ما يعرف بالتفكك أو الانحلال الأسري. فمَن مِنا لم يقرأ في الصحف والجرائد مقالات مشابهة ترصد مدى فداحة الواقع الذي آلت إليه أسرنا.

والحقيقة يا سادة، أن ما يؤسفني ليس الظاهرة في حد ذاتها بل استفحالها وتزايد مظاهرها وحالاتها المأساوية يوما بعد يوم. فما تعيشه بعض الأوساط الأسرية يعجز العقل عن تصديقه أحيانا وإن تساءلتم عن أين يتجلى ذلك فهو يتجلى في الآتي:

إن حضور الكلمات النابية والسوقية داخل الوسط الأسري وتواجدها بشكل يقارب اليومي وحضورها بشكل يشبه الطبيعي لخطر كبير لا ينتبه إليه معظم الآباء. فالإبن الذي يتجرأ اليوم على مخاطبة أبيه أو أمه بلهجة سوقية، “لهجة شوارع وحواري” لن يتردد غدا في رفع صوته وربما رفع يديه أيضا! وهذا نفسه ليس بالأمر الغريب، إذ تعودت أبصارنا على مشاهدة أو قراءة أخبار تتحدث عن ابن يقتل والديه أو يغتصب أخته أو يسرق جدته الطاعنة في السن.

وأعتقد أنه من الأفضل أن نتحدث الآن عن الأسباب التي أدت ومازالت تؤدي إلى هذا النوع من الانحلال الأسري عوض أن نعرض وقائع وقصصا مَلّ الناس من سماعها.

وفيما يتعلق بهذا الإطار، فالأسباب عديدة ومختلفة. ومن أهم العوامل أو الأسباب التي ساهمت في نظري في تردي الوضع الأسري هي غياب القدوة داخل المنزل. إن الأسر التي يغيب عنها القائد مصيرها إلى الهلاك لا محالة، وانعدام دور الأب الفعال داخل الوسط الأسري معضلة كبيرة. فالأب الذي تعود أن يُطأطئ رأسه كلما تعلق الأمر بقرار ما داخل بيته، والذي تعود أن يكون العبد المأمور ملقِّبا زوجته “بالحكومة” هو من دون شك رجل لم يفطم بعد.

إن هذا النوع من الآباء ليس واعيا لمدى خطورة سلوكه هذا على أبناءه الذين تعودوا على مشاهدة أبيهم الذي لا يتعدى دوره في مسرحية الحياة أكثر من كومبارس في مشهد كراكيز.

وفي هذا الجانب يحضرني ما قاله المحاور المصري مفيد فوزي في مقاله الذي تحدث عن نفس الموضوع تقريبا والذي كان تحت عنوان “وحشتني يا جزمة”، حيث قال: “القدوة في بيوتنا شبه غائبة”.

والحقيقة أن القدوة في بيوتنا غائبة تماما وكليا ولم يعد للأسف لها من وجود لا فعليا ولا ظاهريا.

ولا يخفى عنكم أيها السادة أنه بالإضافة لما سبق، فهناك أسباب أخرى عبدت الطريق لتفكك أوساطنا الأسرية مثل وسائل التواصل الاجتماعي التي استولت على خصوصية البيوت وهدمت أواصر الترابط الأسري وقضت على اللحظات الحميمية للأسرة التي بتنا نفتقدها، كلمة حول المائدة دون هواتف ذكية أو جلسة عائلية دون حواسيب.

إن الأسرة هي أساس كل المجتمعات بل هي العمود الفقري والمحرك الأساسي سواء لتقدم المجتمع أو لتخلفه.

ندائي لكل أب أو أم عليه أن يعلم ويدرك تمام الإدراك بأن أسرته هي مسؤوليته الأولى، وبأن الخيول يجب أن تربى على كبح جماحها منذ الصغر، وبأن الأب الذي يهمل دوره أو يتنازل عنه لغيره لا يجب أن يلوم أحدا فيما بعد سوى نفسه وألا يحاول بعد عمر من ممارسة دور مساعد الكابتن أن يقرر فجأة أن يغير مجرى الأمور لأنه سيكون شبيها حينها بمن يحاول أن يلقي القبض على غيمة.

عن hassan

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رجاءا أريد امتحاني .

عبلة بن عبو الشاب أحمد أمين ...

تفاصيل مثيرة و مؤثرة حول إعدام الكوميسيرالحاج ثابت (الحلقة 4)

الأنباء بوست يتناول برنامج نبض المجتمع ...

نجوم اشتوكن يستعدون لطرح عملهم الفني الجديد‎

الأنباء بوست: محمد بوبكر أنهت مجموعة ...

الجزائر تحدد مدة ساعة واحدة لصلاة التراويح في رمضان

الأنباء بوست قرّرت وزارة الشؤون الدينية ...

الاعتداءات على نشطاء حقوق الإنسان تصل إلى حد الأزمة على المستوى العالمي

الأنباء بوست منظمة العفو الدولية تطلق ...

تعيين الأستاذ محمد مصلي منسقا وطنيا على رأس المركزية النقابية(UNSTL)

الأنباء بوست تم تعيين الأستاذ محمد ...