الحجاب والنقاب والبوكيني وأشياء أخرى

رئيفة شبلاق

يحتاج الأمر إلى إجراء تحليل نفسي لتبيان أسباب التركيز في العالم العربي الإسلامي على المرأة ليس باعتبارها إنسانة، بل على جسدها باعتباره «عورة» يجب حجبها عن اللصوص والذئاب، حيث يتم التركيز على جسدها وملابسها إلى حد الهوس، بحيث تبدو الشغل الشاغل لعقول «علماء» المسلمين، وكأنه لا وجود لقضايا ذات أهمية تشغل عقولهم، وتؤرق نفوسهم، سوى جسد المرأة وضرورة تغطيته وحجبه عن الأنظار كدليل على عدم أهلية المرأة، وعدم الثقة بها لحماية نفسها.
اللباس مسألة حضارية، ثقافية تتعلق بالعادات والمفاهيم الاجتماعية ومكانة المرأة في المجتمع، فالحجاب والنقاب، وأخيراً البوركيني، ليس له أصل ديني في الإسلام، ولم يرد في القرآن الكريم ما يشير إلى الحجاب بمعنى الزيّ للمرأة، فذكر الحجاب جاء في الآية الكريمة بمعنى الساتر أي الستار الذي يحجب النظر: «وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب» (سورة الأحزاب الآية 33). أما الآية المتعلقة بالخمار: «ليضربن بخمارهن على جيوبهن» (سورة النور الآية 30)، فقد جاءت للطلب من النساء أن يغطين صدورهن بالخمار، لأن المرأة عندما كانت تنحني يظهر ثدياها. وقد كان من عادة النساء والرجال أن يغطوا رؤوسهم جميعا لاتقاء حرارة الشمس في الصحراء.
في كتابه المهم «التحليل النفسي للذات العربية ــ أنماطها السلوكية والأسطورية» 1982 يقول الدكتور علي زيعور «إن حجب جسد المرأة أصله ميثولوجي، يعود إلى أن المرأة تُعتبر مخلوقاً يخفي قوى خفية، وأن رؤية شعرها، أو لمسها في بعض الحالات يؤدي إلى الخطر». وقد استطاع فقهاء التخلف إضفاء الصفة الدينية على مسألة حجب جسد المرأة إلى جانب الكثير من فتاوى التخلف الاجتماعي بإضفاء الصفة الدينية، ما أكسبها قداسة رسخت في العقول. لم ينتشر الحجاب إلا مع انتشار الإسلام السياسي، ومع شيوع مظاهر التدين الشكلي المترافق مع الانحدار الثقافي والانحطاط الأخلاقي، بحيث دأبت بعض وسائل الإعلام في بعض الدول العربية على تقسيم النساء بالنسبة لملابسهن باعتبارهن إما «محجبات ومنقبات» أو «عاريات»، فزاد الإعلام من التحريض على النساء غير المحجبات، وأصبحن عرضة للاعتداء عليهن والتحرش بهن دون رادع في العالم الإسلامي والعربي. وأخيراً ظهر»البوركيني» على شواطئ فرنسا لحجب أجساد النساء المسلمات أثناء ممارسة السباحة. يجب ألا ننسى أن هناك ملايين من المسلمين والمسلمات ممن يعيشون بسلام منذ عشرات السنين في دول الغرب وفي فرنسا بشكل خاص، لا علاقة لهم بالحجاب ولا بالنقاب ولا بالبوركيني، يسيرون على هدي الدين الإسلامي السمح، يطبقونه على أنفسهم وعلى علاقاتهم الجيدة مع أصحاب الديانات الأخرى، كما يقول دينهم الذي يدعو للمعاملة الحسنة لأن «الدين المعاملة»، وهم ليسوا بحاجة لممارسة مظاهر التدين الشكلي الذي ينتشر بكثرة في العالم الإسلامي وفي الغرب، فحققوا ذواتهم، وحصل كثيرون منهم على مناصب عليا في الدول الغربية التي يعيشون فيها.
مما يبعث على السخرية والحزن معاً أن كثيرا من المثقفين والمثقفات في العالم الإسلامي والعربي، أخذوا يهاجمون فرنسا على نيتها إصدار قرار لمنع «البوركيني» على شواطئها، وراحوا يصرخون ويتباكون وهم ينادون بضرورة احترام الحريات الشخصية للنساء المسلمات في فرنسا، ويكتبون المقالات دفاعا عن الحجاب والنقاب والبوركيني، لا نسمع لهم صوتا يحتج على وضع المرأة المزري في الدول الإسلامية والعربية، حيث تمارس ضد النساء أقصى درجات الاحتقار لإنسانية المرأة، والازدراء لجسدها، حيث يتم قتل النساء باسم الشرف الآخذة بالازدياد مع تفشي النظرة الدونية للمرأة تزداد عمقاً وترسخاً والحال أننا نسير ونحن نتخبط في هذا الظلام الدامس بحيث لا ندرك كم أننا نتجه بسرعة كالسهم نحو عمق التخلّف واللاإنسانية.
كاتبة فلسطينية

عن حسن المولوع

مدير النشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجلس الحسابات: عدد العاملين بالقطاع العام تجاوز 860 ألفا خلال السنة الماضية

الأنباء بوست كشف المجلس الأعلى للحسابات ...

الوضعية الأمنية للمملكة جد مستقرة ومتحكم فيها بشكل كبير

الأنباء بوست الرباط – أكد وزير ...

العثماني: المغرب يعمل من أجل القضايا المصيرية للأمة الإسلامية

الانباء بوست :و.م.ع أكد رئيس الحكومة، ...

مصطفى الخلفي : حادث التدافع الذي وقع بضواحي الصويرة يفتح باب المسؤولية حول أوجه التقصير المواكبة لعملية توزيع المساعدات الغذائية

الأنباء بوست أكد الوزير المنتدب لدى ...

الأعرج: حالات العنف المرصودة داخل المؤسسات التعليمية معزولة

الأنباء بوست أكد وزير التربية الوطنية ...

بعد حادثة الصويرة.. جلالة الملك محمد السادس يعطي تعليماته السامية من أجل تنظيم عميلة توزيع الإعانات العمومية

الأنباء بوست ذكر بلاغ لوزارة الداخلية ...