أنا علماني… فهل أنا كافر ؟

 كمال الخزان

استثارتني بعض الردود على مقالي الأخير، وهذا لم يزعجني بل أفرحني كثيرا لأن مناوشاتي الفكرية و شغب مقالاتي أسال مداد بعض الحواسيب لترد على مقالاتي. ومن بين الردود التي استثارتني أكثر حديث عن العلمانية والعلمانيين وتقريبهم إلى خونة للدين الإسلامي وكذا أيضا لمحاربتهم لتجربة الإسلام السياسي الناجحة في بعض البلدان.

قبل أن أشرع في التساؤل الأول حول كفري أو إسلامي كعلماني، سأناقش نجاح تجارب الإسلام السياسي في بلدان كتركيا و ماليزيا كمثالين. هاتين الدولتين ليستا إسلاميتين هي دول علمانية و لا دور للدين في سياساتهما وكذا في المواقف السياسية لأحزابها الحاكمة. وهذه العلمنة ليست حديثة العهد في هاتين الدولتين أي أن الشعوب تحررت من عقدة المقدس نوعا ما في اختياراتها السياسية. وكذا تجارب الأحزاب الحاكمة فيها ليست حديثة العهد كما هو الحال في دولنا العربية هذا يعني أن التجربة السياسية و الحنكة في تدبير الشأن العام هي من جعل هذه الأحزاب تنجح وليس إسلامها وإلا فلم نجحت الدول الأوروبية في تسيير بلدانها وهي ليس إسلامية أو حتى دينية إن كان فقط الإسلام السياسي هو من أنجح تركيا و ماليزيا؟

السؤال الحقيقي هو لِمَ لم ينجح الإسلام السياسي في الدول العربية ونجح في الدول الأعجمية؟

وهذا سؤال أطرحه على من يقولون بنجاح تجربة الإسلام السياسي و المرجو إيفائي بإجابات لمناقشتها.

سأحاول أن أجيب عن تساؤلي الذي طرحته في عنوان المقال. أنا علماني، فهل أنا كافر ؟

سأبدأ بأجوبة الإسلاميين الذين يخرجونني من الملة : “ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون”، الراجح لدى العلماء أن سبب نزول الآية هي قضية قصاص بين طائفتين يهوديتين (لمن خالفني فليبحث) أي أن التكفير هنا جاء فيما حكم به الرسول في القضية، ولعموم القول لمن خالف أوامر الرسول في الأحكام عامة أي أن التكفير هنا يحدث إذا كان المواطن في احتكامه لم يرضى بأحد أحكام الشرع لا أن يفصل بين الدين والتدين والممارسة السياسية.

الحكم بما أنزل الله هل يختلف مع العلمانية ؟

قد كنت أشرت في مقال سابق (وثيقة المدينة كمرجع للتأسيس) عن بعض الممارسات التي يمكن أن نعتبرها علمانية في الدستور الأول للدولة الإسلامية الأولى. أي إن كنا سنخرج من يفصل بين اعتقاده و تسيير الدولة فقد نكفر الجيل الأول من المسلمين بما فيهم واضع و مؤسس الدولة.

ما هي العلمانية ؟

العلمانية تيار فكري نشأ في العصور الوسطى بأوروبا كمواجهة لممارسات الكنيسة والملوك من استغلال للدين في تفقير الناس والاستغناء على حساب ضعاف العقول. العلمانية كمفهوم حديث بالمقارنة مع الدين الإسلامي إذن فالنقاش في عهد الوحي و في عهد النبوة لم يناقش هذا المفهوم كما لم يناقش مفهوم الديمقراطية.

إذن لم تركنا الشورى واتبعنا الديمقراطية و أسلمناها ونضل نناقش و نكفر العلمانية ؟

المعلوم لنا هو أن الديمقراطية وليدة الفكر العلماني. و أن الشورى نظام لا ديمقراطي يعتمد على حكم البعض الذين تتوفر فيهم شروط معينة. والظاهر في هذه الحالة أن الإسلام السياسي قبل بالبنت (الديمقراطية) مع عزلها عن أصولها (العلمانية) ولتفسير هذه قطع هذا الرحم سنحدد في الفقرة القادمة من المستفيد من هذا الوضع وكيف استفاد. لكن قبل التطرق لهذا الموضوع دعنا نوضح بعض الأشياء المهمة عن فكر الإسلام السياسي. هذا النظام السياسي الذي يدعي استمداد فكره من منهج الرسول والصحابة ويتمسح بالسلف والسلفية، نرى أن السلفيين أنفسهم بكافة أطيافهم (السلفية الوهابية و السلفية الجهادية) يستبعدونه من دوائرهم ومنهم من فسقه وكفره وذلك لقبوله الدخول في اللعبة السياسية ووصفه ممن يدعون إلى الحكم بغير ما أنزل الله. ألا ترون معي مدى التناقض القائم.

السؤال من هو المستفيد من الدين كمعطى في التعامل السياسي ؟

أكبر المستفيدين هو التيار الإسلامي و الإسلام السياسي منذ تأسيسه سنة 1912 على يد حسن البنا ورفاقه في جماعة الإخوان المسلمين ومن اتبعهم على دربهم في هذا الخيار. لذلك تم تكفير كل من فكر في التنظير لمصطلح العلمانية من الناحية الإسلامية. وتقبل الديمقراطية هو أيضا في لب الاستفادة من الإسلام السياسي حيث أن حكم الأغلبية المسلمة والتي تخاف أن تدخل النار وتتحاشى الشبهات سيسهل دخول قبة الحكم في الوقت المناسب. الشيء الذي حدث بعد الربيع أو الخريف العربي. حيث بعد انفتاح الأنظمة مضطرة على الديمقراطية استغل الإسلام السياسي الفراغ الكائن وحب الناس للدين من أجل إبعادهم عن أي بدائل أخرى يمكن أن توضع في الواجهة للانتقال إلى دولة مدنية دولة الإنسان لا دولة الدين أو دولة العسكر. وما حدث في المغرب ما هو إلا نتاج لمد سياسي خارجي لعب فيه الإعلام الخارجي دورا هاما وما زاد الطين بلة هو سخط الشعب على كافة البدائل السياسية الحاضرة حينها. إذا الاختيار كان لسببين أولهما تخويف الناس من التصويت لبدائل وصفت بالعلمانية لأن الصوت شهادة وحق لا يجب أن يعطى “للكافر” ومن باب سد الذرائع وجب التصويت على المسلم لا على الأصلح. السبب الثاني هو البحث عن تجربة جديدة يمكن أن تخرج المغرب من حالة الأزمة، والواقع أن التجربة أزمت الوضع أكثر(وهذا موضوع مقال اقتصادي).

إذا فالتكفير هنا مبني على أطماع سياسية محضة يمكن أن تزيح البساط من تحت الأحزاب الإسلامية والإسلام السياسي كبديل في العالم العربي.

بعض علماء الدين كالشيخ عبد الله بن جبرين قال عن العلمانية :” العلمانية: مذهب جديد ، وحركة فاسدة تهدف إلى فصل الدين عن الدولة ، والانكباب على الدنيا ، والانشغال بشهواتها وملذاتها ، وجعلها هي الهدف الوحيد في هذه الحياة ، ونسيان الدار الآخرة والغفلة عنها ، وعدم الالتفات إلى الأعمال الأخروية أو الاهتمام بها ، وقد يصدق على العلماني قول النبي صلى الله عليه وسلم : (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ) رواه البخاري (2887) .”

إذن العلماني هو إنسان شهواني فاسد منكب على الدنيا وليس الآخرة. أنا أرجو من الإسلاميين الانكباب على الآخرة وترك الدنيا للعلمانيين لتسييرها. لأنهم من يحبونها وحب الدنيا يجعل العلماني يفكر أكثر في كيفية عيشها بشكل أفضل… قولي هذا على سبيل النكتة “الباسلة” في السياسة.

إذا كانت النظرة للعلماني كإنسان شهواني فقط لا يريد من الدنيا سوى الشهوات فلم إذن ينكب على التفكير في الشأن العام والاهتمام بأوضاع الناس و تسيير البلاد بشكل أفضل؟ وهذا حال عدد كبير من العلمانيين في البلدان العربية الإسلامية. هذا التخويف و التحقير البليدين دون النظر إلى الفكر والسياق الفلسفي للمفهوم ليس سوى خوف من المفهوم وابتعاد عن جوهره للحفاظ على بعض المكتسبات القيمية للعلماء والسياسيين الإسلاميين.

أنا أدعو إلى نقاش للمفهوم على ضوء السيرة السياسية للرسول والخلفاء لا كما فهمها المتأخرون من العلماء. وهذا ما سأحاول القيام به في بعض المقالات القادمة.

عن hassan

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحقيقة الكاملة حول استخراج جثة من مقبرة الغفران لاستعمالها في أغراض الشعوذة والدجل

الأنباء بوست أثار خبر نشرته أحد ...

تطورات جديدة في ملف مقتل النائب البرلماني عبد اللطيف مرداس

الأنباء بوست : و.م.ع أعلن المكتب ...

مع اقتراب الزيارة الملكية معطلون بالعيون يهددون بإحراق أنفسهم داخل حافلة

الأنباء بوست علمت الأنباء بوست  أن ...

الملك محمد السادس يجري مباحثات على انفراد مع عاهل المملكة الأردنية الهاشمية

الأنباء بوست : و.م.ع أجرى الملك ...

أخنوش يقاضي الجامعي وموقع بديل

الأنباء بوست نقلا عن موقع بديل ...

عاجل: 4 قتلى و20 جريحا بهجوم إرهابي أمام البرلمان البريطاني

الأنباء بوست أعلنت شرطة مكافحة الإرهاب ...