خفايا الفصل 47 من الدستور المغربي

عبد اللطيف العبوبي

منذ الإعلان عن حالة “البلوكاج الحكومي” بالمغرب، برز انقسام واضح ليس فقط بين الفاعلين والمحللين السياسيين المهتمين بالشأن العام بل المواطنين العاديين. فالأحزاب الراغبة بشدة في الدخول إلى الحكومة لا تتوانى في إخراج (كبطاقة صفراء في وجه الخصوم) “الفصل 47 من الدستور” وقراءته بطريقة ميكانيكية (حَرْفية)، أو بتعبير آخر، إنها تقف عند “ويل للمصلين”.. وأما الأحزاب الأخرى الطامحة أيضا للسلطة، لكن بتصور ومنهجية مغايرة  تتجاوز المعادلات الرقمية الجافة و أخطاء التجربة الحكومية السابقة، فتطالب بقراءة موسعة للدستور بأكمله. لكن و بسبب تغلب الحسابات السياسية الضيقة، لا أحد يريد قراءة الفصل المذكور بطريقة سليمة. نعلم جميعا أن الفصول الدستورية تكون دائما عامة ومجردة، وبالتالي يمكن قراءتها ليست فقط بما تعلنه صراحة بل خصوصا بما تخفيه قصدا. الفصل 47 ينص صراحة على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر نتائج الانتخابات التشريعية لمجلس النواب. وهذا معناه أنه لم يتطرق إلا لحالة واحدة من بين حالات محتملة عديدة، إما عمدا (لأهداف سياسية) وإما فكريا ( لا يستطيع المشرع نظريا بسبب حركية الواقع وتعقيداته، التنبؤ بمساره أو التحكم فيه و تشييؤه). إذن، كيف الخروج من المأزق؟ قبل الجواب عن السؤال، لا بد من التذكير بخفايا الفصل المشار إليه أعلاه (أي الحالات المسكوت عنها فيه) و التي يمكن إيجازها فيما يلي :

– 1 – حالة دخول البلد في حرب (مفروضة عليه) أو تعرض وحدته الترابية لمؤامرات خارجية بغية تمزيقه (احتمال وارد لكافة البلدان)، مع وجود حكومة أقلية، أو مكونة من تحالف حزبي ضعيف.. فهل يبقى الإلتزام حرفيا بنفس الفصل ساريا، أم تعاد قراءته بالنظر للظرفية الطارئة من أجل رص الصفوف الوطنية لمواجهة الخطر الداهم ؟

– 2 – حالة حصول حزب، ذو نزوع صِدامي (إنغلاقي)، على الأغلبية المطلقة، ونجاحه في فرض حكومته ضدا على جميع الأحزاب. وقتذاك سنكون في خضم مشكلة “التعايش السياسي المزدوج” بين رئيس الدولة و رئيس الحكومة. و بالتالي أمام صراعات مستمرة و استحالة  تسيير دواليب الدولة : ولنا أمثلة صارخة في فرنسا التي عرفت 3 ولايات حكومية من “التعايش” الصعب (1986-1988، 1993 -1995 و 1997 -2002 )، انتهت بإجراء انتخابات مبكرة، كانت كل مرة تأتي بأغلبية معاكسة للأغلبية الحكومية..

– 3 – حالة عدم حصول توافق بين رئيس الحكومة المكلف (أو حزبه) مع باقي الأحزاب، وتعذر إيجاد تحالف ما : وهي حالة المغرب (إلى حدود الساعة). فهل ستعاد الانتخابات، كما يطالب البعض؟ وهل بنفس الشروط والقوانين؟ من له الحق في الدعوة إليها: رئيس الدولة أم رئيس الحكومة المكلف الغير منصب رسميا ؟ هل يستقيل الأخير، أو يطلب إعفاءه، أم يُعفى (كما عبد الرحمن اليوسفي) ؟ هل يُكلف الحزب الثاني، أم حزب آخر، قادر على ضمان تحالف حكومي؟ أم تُشكل “حكومة تكنوقراط” تبحث لها عن أغلبية برلمانية ؟ (أسئلة كلها مشروعة)..

– 4 – حالة وفاة رئيس الحكومة أثناء ولايته. الأمثلة كثيرة، ومنها : انتحار الوزير الأول الفرنسي “بيار بيريغوفوا” (1993 )..

– 5 – حالة إصابة رئيس الحكومة بالمرض، أو بالجنون، أو تعرضه لحادثة، مثلا : إغتيال “رفيق الحريري”، رئيس الوزراء اللبناني (2005 )..

– 6 – حالة انسحاب حزب مشكل للتحالف الحكومي وانتقاله للمعارضة. مثلا : “حزب الاستقلال” الذي انسحب من حكومة بنكيران 1 (مايو 2013 ). انسحاب نتج عنه “بلوكاج حكومي” (دام نصف سنة تقريبا) ، تم فكه بقبول حزب “التجمع الوطني للأحرار” (عدو الحزب الأغلبي والمتهم بشتى أنواع النعوث القبيحة)، مكرها، الالتحاق بحكومة بنكيران 2..

– 7 – حالة انقسام الحزب الأغلبي داخليا وتحول جزء من نوابه إلى المعارضة : نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الحزب الحاكم في تونس (نداء تونس، نونبر 2015)، أو “سيريزا” في اليونان (2015 )، أو انشقاق “الحزب الاشتراكي” الفرنسي (2016 )… في الديمقراطيات العريقة، يعتبر تصدع الأحزاب الحاكمة من الأمور المفهومة، ناهيك عن تشظي النقابات والجمعيات..

– 8 – حالة تُغُير الوضع الجيوسياسي الدولي في غير صالح الحزب الأغلبي. مثلا، رهان “بنكيران” (و غيره) العلني الخاسر على فوز “هيلاري كلينتون” في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة (نونبر 2016 ). كيف سيتعامل مع “دولاند ترامب” المناهض للإسلام السياسي ؟. في الديمقراطيات الأوربية، لتفادي هذا النوع من “عدم التلاؤم” (خاصة إزاء أمريكا) تلجأ الأحزاب إلى ما يسمى “التفاهمات الضمنية”.. وهنا، لا بد من التذكير بحكمة الملك الراحل “الحسن الثاني” حين كشف (على التلفزة الفرنسية)، في عز الأزمة الجزائرية (1992 )، بعدم وجود مشكل له في تولي “حزب إسلامي” تدبير الشأن العام، شريطة “ملاءمة” الوضع الدولي لذلك، معللا الأمر بكون الأمن الخارجي أكثر خطورة من الأمن الداخلي…

– 9 – حالة فوز حزب “صِدامي” (لا يؤمن بالتوافقات) بالانتخابات التشريعية، وتواجده في صراع (مواجهة) مع مؤسسة ما من الدولة (الجيش، الأمن، الباطرونا، النقابات..)، مثلا: حالة “جبهة الإنقاذ الإسلامية” التي انقلب عليها الجيش، في الجزائر، وانتهت بإلغاء نتائج الانتخابات (ينار 1992)..

– 10 – حالة حزب أغلبي “صِدامي” (إقصائي) مُسَير للحكومة، ينقلب عليه الشعب في مظاهرات حاشدة (لأسباب لم تكن في الحسبان). مثلا : “ثورة 30 يونيه 2013” في “مصر”: الناتجة عن رفض الرئيس “مرسي” مطالب الجماهير بسحب بعض مواد الدستور المشرعنة للإستبداد وإلغاء استقلالية القضاء (وضع استغله الجيش للاستيلاء على السلطة)..

يستنتج مما سبق، أن الحالة الوحيدة التي تطرق إليها الفصل 47 بالتحديد لم تعد موجودة، أو تجاوزها الواقع المغربي المركب (السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي..). إذن، لا مجال للتلويح به. كما أن جميع الحالات المذكورة أعلاه (وربما غيرها)، المسكوت عنها، أو التي لم يتطرق إليها الفصل ذاته، علانية، تبقى من صلاحيات رئيس الدولة، حصريا. فله وحده سلطة تقدير الوضع (الوطني والدولي) ومن خلاله إيجاد الحل الذي يراه مناسبا للبلد….وأخيرا، لابد للفاعل السياسي من استحضار خلفيات الفصل 47 من أجل مزيد من المرونة والواقعية لأن المغرب، كما يقال، “بلد التوافقات، بامتياز”.

 

عن hassan

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تحقيق حصري..انفجار قضية الكوميسير الحاج ثابت ودخول الدرك الملكي على الخط (الحلقة 2)

الأنباء بوست تتطرق الحلقة الثانية من ...

قاض عراقي يكشف محاولة القذافي تهريب صدام حسين من سجنه

الأنباء بوست برر منير حداد، قاضي ...

محمد زيان : الحكومة المنبثقة من إنتخابات ”مشرية” لا يمكن أن تعطيك إلا حكومة فاشلة

الأنباء بوست قال الأستاذ محمد زيان المنسق ...

جمعية إسعاد ترسم البسمة على شفاه مواطني الجنوب بمنطقة الريصاني

الأنباء بوست في مبادرة إنسانية نبيلة ...

تحقيق حصري..هكذا تفجرت قضية الكومسير ثابت (الحلقة 1)

الأنباء بوست تتطرق حلقة نبض المجتمع ...

تحقيق حصري..هكذا تفجرت قضية الكومسير ثابت (الحلقة 1)

الأنباء بوست تتطرق حلقة نبض المجتمع ...