الفنان التشكيلي محمد زوزاف يعرض عالمه الرمزي

الأنباء بوست

في اطار انشطته الثقافية والفنية ، يحتضن رواق المركز الثقافي الفرنسي بالصويرة المعرض التشكيلي الفردي للفنان الحداثي محمد زوزاف تحت شعار “عالم رمزي” ما بين 22 دجنبر 2017 و20 يناير 2018.   الكتابة في ومع وحول تجربة محمد زوزاف هي عودة للذات ومعرفة لأسرارها ومباطنها، ذلك أن الفن من منظور هذا المبدع الصامت يشكل لغة جديدة تنطلق من طرح الخطيبي القاضي بأن الحضارات العربية هي حضارة الإشارة بامتياز يجب أن تقرأ وتفسر عبر مفاهيم جمالية مغايرة لمفاهيم التمثيل.

زوزاف بعيون الأديب خير الدين  : المكتبة السرية

“زوزاف من كبار الفنانين التشكيليين الذين من الروعة بمكان رؤية أعمالهم، فما أبهى لمعان و بذخ التفاصيل الصغيرة! كل لوحة تستدرج موسيقى داخلية و طابعا خطيا رائعا. لكن، ها هنا، فن آت من أعماق العرف الأمازيغي الإفريقي. هناك عناصر أولية مفقودة إلى الأبد : كتابة جد قديمة تفوق الفنان زوزاف في تحديثها بموهبة جديرة بكبار أعلام التصوير الصباغي المعاصر. أتحدث عن بول كلي و كاندنسكي… و آخرين أحكموا تنظيم اللون و معنى الرموز. دقة و ضبط في الخط و الشكل. كل شيء في هذا العمل الجميل يساهم في إضفاء طابع الروعة على ثراء معرفة غابرة لم تصلنا من خلالها سوى بعض المعالم.

أصواتية متهدجة. إنه الصوت الصاخب لأعماق العصور الذي يصدر عن هذه اللوحات النموذجية. و هذا الصوت العميق ليس إلا حركية و تهيج الكائنات التي عاشت في عوالم أخرى، حيث يرسم زوزاف أشكالها الدقيقة بعنايةفائقة و لطافة لامتناهية. إننا نرى ارتقاءها على امتداد سطح اللوحة. كلها ذات درجات و إشعاعات متباينة. كل عالم يتحدث لسانه الخاص. أقول إن هذا المنحى المجازي قديم جدا و لكنه في الآن ذاته يشكل رمزية عالمنا الراهن. هذا العالم المتوتر الذي نرتقي داخله دون أن نعي ماذانفعل و إلى أين نسير. مؤلف رحب، إذا كانالأمر كذلك، لكنه يحقق توازنه بذاته، إنه انعكاس سلوك الإنسانية في منتهى الضياع.

نرى، إذن، الفنان المبدع الخالص، لا يكتفي فقط بجمع الأشكال الفارغة. إنه يجعلها تحيا و يمنحها امتلاكها الذاتي و قيمتها الخاصة، فهو يضطلع بدوره كمبدع بتحريرها و تحرير ذاته من خلالها.

إن سرعة الحركات التي يؤالفها هذا العمل في شموليته إلى درجة أنها تقحم توترات تاريخية محددة بالضبط. يمكن أن نرى تقريبا أجزاء مرحلية و أن نقرأ فكرا آخر رغم هذا الإبهام الذي نعتقد أنه متوار فيه. هنا لا شيء مخفي لفائدة عدم قياس أو تبعثر مغالى فيه كما يفضله الكثيرون بدل تركيز حقيقي قادر وحده على استنفار ذكاء الأشياء الفنية.

النسيج ذاته لأعمال زوزاف حار في تركيبته المادية. من ثمة فهو حي. إن هذا الفنان الاستثنائي المصقول… و عندما نلاحظ بعض أعماله، يخالجنا انطباع فتح الكتب عسيرة القراءة و الفهم مكتبة سرية؟ مفكر كبير يزاوج بين الأصالة و المعاصرة؟ زوزاف هو كل هذا في الوقت ذاته.

لقد عالجنا ، في التمهيد ، الخصوصية المتميزة للرمزية الكامنة في عمل زوزاف. قلنا أيضا بأن هذه الرمزية مستوحاة من “تاريخية”، حيث تعود الأسس للإرهاصات الأولى للغة الإنسانية.

نكتشف لدى هذا الفنان الأصيل المعايير الكتابية القديمة جدا، و هي مدى عمق الكتابات الأولى التي استسعف بها أول البشر المتحضرون من أجل التواصل بينهم و بغية تحليل محيطهم.

تبعا لذلك، عندما ننظر بتمعن و روية لتركيبات زوزاف، نلاحظ منذ الوهلة الأولى عددا من الشخوص يخرجون مباشرة من الكتابات الهيروغليفية. إنهم متراكبون على نحو ما، في حركة متوازنة إلى درجة أنهم يتحولون بأعجوبة إلى نص مقروء تماما.

شخوصه شبيهة بنظيرتها الموصوفة سواء في الأشكال ذات البروزات الخفيفة أو العليا أو سواء في النصوص التاريخية. إنها تؤلف فسيفساء ذات الانجذاب المتناهي، لأن هذه الكائنات الصغيرة لديها أوضاع تميز ماضيا دائم الحضور في ذاكرتنا. إنها تجعلنا نحيا من جديد بفضل العمل الدقيق للفنان، فترات لا نعرف عنها سوى ما تناقلته الحوليات.

الأمر شبيه، إذن، بغرابة، بحلم يعاد ترسيخه في الذاكرة عبر الفعل التشكيلي الملهم. هذا بالضبط ما يولي زوزاف مكانة كبار الرسامين الرائين و لذلك لم يكتف بتخطيط الكاليغرافيات المألوفة لأنها قريبة من الحس الواقعي للعالم أكثر من آثاره و لو أن هذه الآثار رائعة التناسق يستعملها و يبالغ في توظيفها من يظنون أن الفن ليس إلا تركيبا للخطوط المتجانسة. هنا، كما سبق الذكر، معنى بديهي لإشكالية الحداثة. كل الصيغ المقترنة بها نجدها مجتمعة وفق معادلات لونية مميزة. قارب السورياليون، في زمنهم، هذا البحث الذي ينزع إلى إدراج الحلم في الحيز الضيق لوجود بئيس.

فقد تفوقوا ، إذن ، في لا مركزة أثر اللحظوية عبر معاينة الحلمية، لكنهم لم يستجيبوا لطلب الوعي لأن الحلم و اللاوعي هما اللذان يتحكمان فيها. فمن المؤكد أنهم اعتقدوا و جعلوا من الحداثة سمتهم الخاصة و معتقدهم المهيمن… لكنهم لم يتوفروا على أسس مغايرة ما عدا الذي استلهموه من الفن الزنجي الافريقي فاحتضنوه و اكتشفوا فيه الفضائل المتجددة.

لكن لدى زوزاف هناك أساس حقيقي ، تقليد، لأن فنه نابع من جذور أسلافه، إنه عالم متوارث ممثل في شموليته.وهذه الخطوط و التشابكات الأولى و الحية هي جديرة بأن نسميها سبحة تاريخية.” (ترجمة عبداللهالشيخ).

فضاءات تشكيلية تستمد مرجعها الثقافي من الرموز المتخيلة والطقوس الإنسانية القديمة وكأنها منمنمات دنيوية غرائبية ذات خيال غنائي يراهن على التواصل الفطري مع الأشياء والعلامات. هل هي كتابة صامتة تخترقها الروح لتجسد حلمها الجماعي الذي يتخلل المكان والزمان ؟

غرابة وإيحاء في الشكل والرمز يجعل المشاهد يحس بعدم امتلاكه للواقع المحيط به. إنها تفتح دنيوي للرموز ينزاح عن الجمالية المحلية لمدينة الصويرة والقيمة الاستعمالية للإنتاج الإبداعي لينخرط في القيمة الجمالية القائمة على الإحساس المرهف والفردانية الخلاقة المتشربة بالأسطرة الشعبية والطقوسية التلقائية. مقام زوزاف عالم بصري تنطبق عليه قولة الباحث شربل داغر : “فمن يملأ الفراغ دون أن يخلق إيهاما بالمكان أو إيهاما بالعالم : نقش وحسب. آثار كتابية وزخرفية وحسب. تبلغ غيابه الخاص أو حضوره الغائب”.

إن مشروع محمد زوزاف يعمل باستمرار على تعميق التأمل الواعي والمسؤول في الذاكرة الجماعية متجاوزا مأزق “اللوحة الواحدة”، لأن إبداعه تجربة فن ومسار مساءلة ومشروع رؤية أصيلة. فبنوع من المكابرة والإصرار على البحث والتجديد والمغامرة ارتضى هذا الفنان قولة بول كلي رسالته الإبداعية : “إذ الإنسان لم ينته، لذلك يجب أن نبقى في يقظة، متفتحين، أن نبقى أمام الحياة مثل الطفل الذي ينهض، طفل الإبداع، طفل المبدع”. في حضرة هذا الفنان المتلقي/ المريد يستأنس بانسياب دم الإبداع المرفوق بقلق خاص، لعله قلق المغامرة الذي يجعلنا نرى في أعمال الفنان بعدا إنسانيا رغم كونها تخلو تماما من الكائنات. تآلف بين الشكل والأسلوب يحفزنا على ممارسة نوع من حفريات المعنى عبر استشراف أرض المقام والعبور : الآثار، العلامات، الكاليغرافيا، الطلاسيم السحرية…

آثار دفينة تذكرنا برموز الكهوف القديمة وعلامات الكتابات البدئية، لكي تسرد تجربة الفنان زوزاف محمد ولذلك تتكرر العلامات والرموز بأشكال مغايرة وكأنها احتفاء بالولادة والانبعاث والحياة والحرية. فهل الفنان يدعونا إلى مقاومة المحور التلاشي والانقراض ؟ أليس محمد زوزاف من عشاق الحفر في ردهات العلامات قصد العثور على الآثار الرمزية للكائن والممكن ؟ ألا يحق لنا أن نعتبر هذا الإبداع عبورا من السطح إلى العمق ؟

عبد الله الشيخ – ناقد فني

عن محمد بوبكر

رئيس التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جلالة الملك يستقبل الوزراء الخمسة الجدد ويعينهم جلالته أعضاء بالحكومة

الأنباء بوست استقبل صاحب الجلالة الملك ...

العثماني:المغرب لا يدخر جهدا لمحاربة كل أشكال الجرائم الاقتصادية والمالية والإرهابية وما تقتضيه من تدابير لتجفيف منابعها

الأنباء بوست: و.م.ع أكد رئيس الحكومة، ...

استخلاص مصاريف حج 1439 هجرية دفعة واحدة من 5 إلى 16فبراير 2018

الأنباء بوست: وكالات قررت اللجنة الملكية ...

المعرض الدولي للسياحة بمدريد : تميز المغرب بتنوع العرض السياحي لجهاته

الأنباء بوست: و.م.ع مدريد – أتيحت ...

الداودي يؤكد أن هناك فرصا اقتصادية هائلة للاستثمار بين المغرب والهند

الأنباء بوست أكد الوزير المنتدب المكلف ...

التوقيع بالرباط على اتفاقية شراكة في مجال تحديث وتحسين زيارة عائلات نزلاء المؤسسات السجنية

الأنباء بوست وقعت وزارة إصلاح الإدارة ...