الفنانة لبابة لعلج ضمن فعاليات « معرض مراكش » : الحق في الخيال

الأنباء بوست

شاركت مؤخرا الفنانة لبابة لعلج (مواليد مدينة فاس) ضمن فعاليات « معرض مراكش »المقام من قبل جمعية فنون النخيل للثقافة و التضامن بشراكة مع الجمعية الجهوية للاتحاد الوطني لنساء المغرب جهة مراكش آسفي و جمعية أوبن هاندس . في إطار هذا المحفل الجماعي ، عرضت الفنانة لوحتها التعبيرية ” روض مراكش الفاتن” تكريما لسحر هذه المدينة التاريخية العريقة وأزمنتها الطبيعية و الثقافية الأخاذة.

إلى جانب المدى الوجودي القلق و المنتشي بالحياة ، حرصت لبابة لعلج على تشكيل هوية بصرية خامة تحمل انطباعاتها العامة حول الواقع المحيط بها، مكتشفة إمبراطورية العلامات والرموز وسحر الحكايات والأساطير الشعبية وكأن بها تخوض بحثا إثنوغرافيا بكل المقاييس. في هذا الصدد، استلهمت الفنانة المحكيات السردية الكونية وبادرت إلى تأثيث العوالم المشهدية لعدة أعمال فنية («امرأة غارقة في أعماقها »، «أوتروس »، «الرجل المنبع » ،«مفاجأة الحب »…إلخ).

عندما نرصد أعمالها التعبيرية ذات الأسلوب الخام نستشف الولع الطفولي بالمادة وتفاعلات اللون، حيث افتتان التجربة التصويرية بمشهدة التركيبات الانزياحية ذات القوة الإبلاغية الصادمة. ألسنا، هاهنا، بصدد تحليق بدون أجنحة في تخوم الذات الباحثة عن جمالية افتراضية للتلاقح والتصادي مع الآخر؟ ألا تحاول الفنانة في فصوص مراقيها التشكيلية بلورة علاقة استبطانية مع الكائنات والأشياء بروح مفعمة بقلق السريرة وهواجس الطوية؟

كلما تأملنا الفيض التعبيري والشاعري في حضرة لبابة لعلج ، ندرك جليا غنى الحس الباطني العميق بالموجودات ومدى التعامل الذاتي الجارف مع شطحات الروح ومدارجها. إنها تدرك تماما أن الفن ليس مجرد علاقة محاكاتية وتناظرية مع الواقع، بل هو في الجوهر استبطان الأساسي وتأويله في صيغة أشكال مغايرة ومدارات مشهدية هجينة تتأسس على فلسفة الحوار وتعددية الأصوات استنادا على الإبداع المتخيل الذي يملك بتعبير الأديب جون بول سارتر قوة تخييلية فياضة نظرا لطابعه الإشاري والبدائي.

إن هذا التعامل الخصوصي والمنفرد مع الوسائط التشكيلية الأكثر تعبيرية هو الذي يحرر نموذجه البصري من كل سهولة مبتسرة ووساطة خادعة للسنائد والحوامل التقليدية. فلا سلطة إلا للمادة التشكيلية ولا فتنة إلا للمنزع التعبيري و السير ذاتي النابض بالحياة والحرية. وظفت لبابة في لغتها التصويرية سجلات متعددة من الموتيفات والرموز

المرجعية، خالقة توازيا عجائبيا بين الواقع المرئي ومتخيلها الإيحائي في حركية انسيابية تعز عن الوصف. كل قراءة بصرية لأعمال هذه المبدعة المتمردة التي تحلق خارج السرب هي نشاط تأويلي لسيرورة المعاني الثاوية وراء الأشكال والتداعيات التعبيرية غير المطمئنة ( الإفصاح والاستبطان، التواصل والمناجاة).

تراهن تجربة لبابة على ملكة الاكتشاف ضد نزعة الفهم بكل إكراهاتها الاستهلاكية السائدة. فالفنانة تحلل مواضيعها وتخضعها لتفكيكات بنيوية داخلية باحثة عن الجذور لأنها تؤمن جيدا بأن هناك دوما شيئا جينيالوجيا داخل الشجرة، وهذا ما يفسر اشتغالها الوظيفي والجمالي على لغة التشكيل كواقعة سحرية لا نمطية فجة. ألم يكتب إيلفاس ليفي: «ليس ثمة غير معتقد وحيد في السحر هو أن المرئي تمظهر للامرئي». على عتبة لوحاتها التعبيرية الرمزية التي تذكرنا بالمنمنمات الفارسية والتصاوير الشعبية نقف حائرين أمام وحدة الشكل في إطار تعدديته بناء على تذويت الاختيارات المسلكية التي تصالح بين ذوق الحواس وذوق التفكير وتعمق انخراط الاستهلاك الجمالي داخل عالم الاستهلاك العادي. أليس الأمر دعوة لإعادة التفكير في الجمالية العالمة التي تخلص ذوقنا من الأحكام المسبقة؟

كل مشاهد لوحات لبابة خاصة المتعلقة بالنساء المنتشيات في نزعة بدائية بمثابة خرق واضح للمقدس الثقافي وفضح لشرعنة التمايزات داخل المجتمع وانتصار للجانب الرمزي والوجودي الذي يعلو على كل متعة بذيئة ومبتذلة. تتجاوز هذه النظرة الخالصة كل رؤية أخلاقية وتستدعي «العين» كنتاج تاريخي يعاد إنتاجه بفعل التربية على حد تعبير بيير بورديو؟

الفن من منظورها الخاص حرية وبحث دائم عن الجوهري، هذا الجانب الخفي القادر على ترجمة قلق الوجود وجموح الخيال وهاجس الباطن. إن ما تنسجه هذه الفنانة المشاكسة هو فصل من فصول سيرتها الوجودية بكل متاهاتها ومفارقاتها بعيدا عن كل اغتراب عن الذات وعن كل انفصامية مرضية. فنحن نحيا في ضيافة جماليتها التعبيرية الخامة التي تعلمنا كيف نعيد النظر في ذواتنا الصغرى والكبرى ونلج في صمت إلى عمق كينوناتنا الإنسانية المشتركة بدون افتعال أو ادعاء. لوحاتها مرايا لتأمل معاني الوجود خارج لعبة الأشكال والألوان. فهي تؤسس لواقعية عجائبية انطلاقا من رؤية حلمية تستدعي الإستيهامات والتهجينات على أثر مارك شاغال ، ودوانييه روسو ، و كمال بوطالب ، والعربي بلقاضي، وعباس صلادي، وبوجمعة لخضر ، ومحمد أبو الوقار… صور هذه الفنانة ليست ضيفة على المكان بل هي سيدة حضرته البصرية التي تردد مع الشيخ الأكبري ابن عربي :«الوجود كله خيال في خيال» (فصوص الحكم).

 ” روض مراكش الفاتن”.

محمد مانا (ناقد فني)  

عن محمد بوبكر

رئيس التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جلالة الملك يستقبل الوزراء الخمسة الجدد ويعينهم جلالته أعضاء بالحكومة

الأنباء بوست استقبل صاحب الجلالة الملك ...

العثماني:المغرب لا يدخر جهدا لمحاربة كل أشكال الجرائم الاقتصادية والمالية والإرهابية وما تقتضيه من تدابير لتجفيف منابعها

الأنباء بوست: و.م.ع أكد رئيس الحكومة، ...

استخلاص مصاريف حج 1439 هجرية دفعة واحدة من 5 إلى 16فبراير 2018

الأنباء بوست: وكالات قررت اللجنة الملكية ...

المعرض الدولي للسياحة بمدريد : تميز المغرب بتنوع العرض السياحي لجهاته

الأنباء بوست: و.م.ع مدريد – أتيحت ...

الداودي يؤكد أن هناك فرصا اقتصادية هائلة للاستثمار بين المغرب والهند

الأنباء بوست أكد الوزير المنتدب المكلف ...

التوقيع بالرباط على اتفاقية شراكة في مجال تحديث وتحسين زيارة عائلات نزلاء المؤسسات السجنية

الأنباء بوست وقعت وزارة إصلاح الإدارة ...