22:51 - 6 أكتوبر 2018

لبابة العلج تعرض جديد أعمالها التشكيلية

الأنباء بوست
بمبادرة من جمعية الصويرة موكادور ، تعرض الفنانة التشكيلية والأديبة  لبابة لعلج  جديد أعمالها التشكيلية برواق دار الصويري ما بين 13 و20 أكتوبر الجاري تحت شعار ” بزوغ غرائبي ” ، حيث سيتم  تنظيم لقاء فكري وإعلامي حول تجربتها العجائبية ذات الخصوصية الأسلوبية المنفردة بمشاركة صفوةمن الباحثين والنقاد الجماليين.
     ثلاث تيمات كبرى تتظافر و تمتزج في منجز الفنانة لبابة لعلج : الجسد و الحروفية و الألوان . تتخللها بإصرار و إسرار بلاغة رمزية لا تخلو من بوح و إفشاء للسر .
لب الجسد: 
 للجسد  (الأنثوي على الخصوص ) حضور دائم في لوحات الفنانة لبابة فهو الموضوع الأصل في كينونة الكون كما في حينونة اللوحة . منه نشأت الحياة و انبثقت و في أحضان اللوحة سكن هذا الجسد و تشظى … تارة في تشكله حروفيا و تارة في تلونه بكل ألوان الطيف بما فيها الأبيض و الأسود و تارة أخرى في لغز جسديته. ترى ما البوح الذي تبوح به أجساد  الفنانة لبابة ؟
   الجسد من حيث هو جسد دال على الحيوية و الحياة . الموت هو ما يجعل منه كسدة ثم جثمانا ثم رميما…
  مبدأ الجسد في جسديته ( نيتشه ) هو حب الحياة و نبذ بخسها . يبدأ هذا الحب من حسية الجسد نفسه و من ميولاته ذاتها . و يميل الجسد حدسيا و غريزيا إلى مبدأ الحياة ( إيروس) هروبا و تأجيلا لمبدأ الموت ( تاناطوس ) .
  انطلاقا من هذه القاعدة يمكن تأويل قصدية الفنانة لبابة حين ترسم و ترمز للجسد . فهي تعبر أولا عن قلق أنطولوجي يطال الجسد الأنثوي لما تبخس كينونته و تعتبر وجودها انبثاقا من ضلع أعوج أو أهوج .
الجسد الأنثوي مستقل بالتمام بل هو أس الحياة و الحيوية . لننظر إلى اللوحات التالية : المرأة فوق الحصان، و المرأة ثمانية مارس، و المرأة الجذمور متاهات الأمعاء … المرأة الحروفية… كلها لوحات تدل على الأصل، على هيولى الأسطقسات و رحم البدايات .
  و تعبر ثانيا عن جمالية هذا الجسد في تفاصيله، و تباشيره، و أطرافه ، و ملامحه وأردافه . هناك تقليد عريض عارم دفعنا إلى بخس هذا الجسد و هذه التفاصيل باسم الخطيئة و الفتنة و الرذيلة …
و الحال أن الفنانة لبابة تبرز في لوحاتها – انتقادا لهذا التقليد – العوائق، و الشوائك،  و المثبطات، و المنفرات التي تحجب الجمال و الذوق الرفيع بتلقائية المرأة و عفويتها . كان لا بد من إزالة كل هذه القشور المكلسة للعثور على لب المرأة . لبابة هي لب المرأة المختارة و هي قلب الثمرة و جوهرها . هذه هي قصدية لوحات الفنانة لبابة في اعتقادي .
جوهر الحروفية :
  لا تروم الحروفية في التشكيل معاني الحروف و لا مقاصدها، و إنما تعتبرها أشكالا و أحجاما و أبعادا و نقط هروب كما تهتم بمنظوريتها أكثر مما تهتم بخطيتها و بهندستها اللاأقليدية أكثر من هندستها الأقليدية.  بهذا القصد باشرت الفنانة لبابة الحروف و الكلمات و شكلتها وفق تيمتها : أجسادا و حروفا . لننظر إلى لوحة الأم و الأفاعي ، أو لوحة المرأة و الرقم ثمانية و تفاصيل عري جسد المرأة على الطريقة التكعيبية .
رغم الدلالة الواضحة لبعض الكلمات، و إحالتها على الموروث الديني فهي غير مقصودة بهذه الصفة إنما تم توظيف شكلها و إمكانية تطويعها لترسم الرسوم المبتغاة . يتضح ذلك جليا في التخلي طوعا عن جمالية الخط،  و تزويقه  ، و الانخراط في التعامل معه كجسد لغوي يكمن جوهره لا في مدلوله بل في داله و هيئته منهما تستقي الحروف و الكلمات عناصرها الكروماتية و اندلالها الرمزي . حروف الوجه تبدو في تناسقه،  و حروف البدن في اتساقه و امتشاقه،  و هو ما درجنا نعته ب ” حروف الزين ” .
  حروفية الفنانة لبابة بهذا المعنى هي احترافية في خدمة الجسد لما تبحث عن حروفه الروحية لتستكنه دواخله انطلاقا من وضعيات مظاهره المختلفة . يمكن نعت هذا الهاجس بما عرف في الفلسفة ” بالظاهراتية الكروماتية ” ( فينومنولوجيا) .
و نقصد بها رهان فهم  حضور الإنسان في العالم ( الجسد) انطلاقا من الخبرة الحدسية لفهم الظواهر . و هي كما يقول هيجل : ” ظهور الروح و تجليها في الأشكال العينية “. ثم بعد ذلك ” ظهور الماهيات عامة في الوعي ” .
” حروف الزين ” هي هذا التجلي لجمال الجسد . و هي هذا الوعي بالماهيات في اللوحة . إن نقل هذه الحروف إلى الحروفية هو اختيار جمالي و دعوة للقراءة . لتفكيك العلامات و الشيفرات سواء وجدت في الكلمات و الحروف أو وجدت في ” حروف الزين ” .
بين الحروفين يكمن السر يفشى السر هذا الإسرار ( إفشاء و إخفاء ) هو ما يمنح لمنجز الفنانة لبابة لب فنيتها ..حيث توحي في بساطتها أن الجسد لغة و أن اللغة جسد . كل الأجساد حاملة للزين و حروفه علينا تهجيها و الانتهاج بها .هذه البهجة سماها رولان بارت ” لذة النص” . و عمق اللذة حسبه لا يكتب و لا يقال إنما يعاش و يمارس ، يرسم و يلون في أقصى الحالات . و هذه الحالات القصية هي ما حاولت الفنانة لبابة رسمه و تثبيته .
كيف تتلامس الأجساد في النص و في اللوحة ؟ يجري ذلك عبر ثلاث لحظات : لحظة  الرغبة، و لحظة اللذة، و لحظة الاستمتاع .
النص فضاء للإغراء و اللوحة كذلك فيهما تتلاقى الأجساد و تتماس ( القارئ المشاهد الكاتب الفنان ) كل واحد منهم يريد إغراء الآخر أو كسب وده و محبته . رغبة القراءة نتساوى و رغبة المشاهدة، لكن اللذة و الاستمتاع في المشاهدة أقوى مما هو عليه في القراءة . في هذه الأخيرة يرى المرء الحرف أو الكلمة ، و يشحذ خياله أما في مشاهدة اللوحة فيرى الحروف و يلامس الأجساد تحت تأثير الألوان ، و بمساعدتها و يستمتع بها .
الاستمتاع الكروماتي أوسع وأشمل و ألذ.
ماهية اللون و ما إليه :
  إذا كان النجار صديق الخشب ( يشتم فيه ) ،  و كان الفيلسوف صديق المفهوم ( يبدعه ) ، فالفنان هو صديق اللون و ما إليه  . لقد أدرك الفنان بارنيت نيومان أهمية اللون و إطلاقيته . و هو نفس الإحساس الذي ينتاب المشاهد المتأمل للوحات الفنانة لبابة .
  حين يقصد اللون في ذاته ،  و يتحول إلى شرط لقيام اللوحة تغدو هذه الأخيرة ذريعة للإحساس و الذوق كما تغدو نصا ( نسيجا ) آخر خال من العلامات لا تشوير فيه إلا مراقي الألوان و مستوياتها . هكذا تستعمل الفنانة لبابة كل أطياف اللون ،  و تمزج في ما بينها حتى تطغى على كل الموتيفات  ،  و تركز التوتر أو الحزن ،  أو الميلونخوليا ،  أو عكسيا الهدوء أو الفرح أو الاطمئنان في عين المشاهد المتأمل .
حتى الأسود و الأبيض ،  و هما عادة من الألوان قليلة الاستعمال لدى الفنانين ،  يتحولان إلى كروماتية معبرة . لوحة الجذمور حيث يتشظى الجسد ،  و يتحول إلى جذور كثيفة لا تحصى فروعها ،  و عروشها  ، أو حين يتوارى الجسد الأنثوي بكل إيروسية وراء مخمليات جذمورية ،  أو ما يشبه القضبان الكثيفة للموشاربيا .
   الألوان لغة حسية تمر كل تمفصلاتها عبر العين فيشعر المرء بشتى المشاعر ،  و تغمره بشيء من الغرور و تأخذه بعيدا عن المعتاد و السرد الكروماتي . تبوح الألوان بما يفيض منها من احساسات و انطباعات ،  و تتركها راسخة على شبكة العين ،  و على صفحة القلب .
تشير الكروماتية عادة إلى الألوان . و هي قاعدة للألوان كما للموسيقى  تسمى ” الدائرة الكروماتية ” . هذه الأخيرة تستثني الأبيض  و الأسود من دائرتها .لكن الفنانة لبابة جعلت منهما اختيارا جماليا لتلويناتها حتى تستطيع التعبير عن ثنائية العمق و السطح في لوحاتها . فإن كان الأبيض يمثل السطح و الأسود العمق،  فمن السطح يمكن العثور على كل أطياف اللون الكروماتية الأخرى،  فهي تجل من تجلياته . و في العمق تغور،  و تغمر نفس الأطياف لتعود إلى أصلها الشبيه بالعدم ( كالثقب الأسود ) .
للألوان وظيفة تكوينية أونطولوجية تبدو في قدرتها على بعث ما ليس …و تجلي ما لا تتجلى ماهيته . لها القدرة أيضا على تشكيل الأشياء كروماتيا فما لم يكن كان و عاد كائنا في إطلاقية لونية لا حصر لها و لا تمكين . لنتأمل لوحة الجذمور. ثلاثة ألباب تأخذ بلب المشاهد لا محالة .
ادريس كثير
مفكر وباحث جمالي 
اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأنباء بوست - جميع الحقوق محفوظة © 2018